تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وطه حسين يقول: «في اعتقادي أن التعليم العام يجب أن يكون مجانيا كي لا يحرم واحد من أبناء الوطن، كي تتاح لجميع المواطنين فرصة متكافئة.»

ويرد النحاس باشا: «عارف، وأنت لا بد متذكر أننا التقينا مرة في قطار من قطارات الصعيد وتحدثنا في هذا الموضوع.»

ويقول طه حسين: «وإذا أصبحت أنا وزيرا للمعارف، فإن رفعتكم ستحبون قطعا إعلان مجانية التعليم في أول خطاب للعرش تلقونه أمام البرلمان.»

ويسأل النحاس باشا: «هذا شرط؟»

ويرد طه حسين: «لا، معاذ الله! ليس شرطا ولكنه توقع، إنني أتوقع أن دولتكم ستعلنون مجانية التعليم في أول خطاب للعرش.»

ويقول النحاس باشا وهو يتأهب للانصراف: «يعني شرط، على كل حال شرط مقبول ... اتفقنا، مبروك!»

| الوزير

في قاعة مجلس النواب صباح يوم 16 يناير 1950، رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا يلقي خطاب العرش ويصل إلى الفقرة الخاصة بالتعليم، وقد أعدها طه حسين، فيعلن باسم الملك أن حكومته ترى «أن خير الوسائل لرفع مستوى الشعب وتمكينه من الحياة الخصبة المنتجة التي تنفعه وتنفع الناس، وتحفظ على المواطن مكانته بين الأمم المتحضرة الراقية، إنما هو تعليم أبنائه، وتثقيف نفوسهم، وتزكية عقولهم، وتهذيب أخلاقهم، وتزويدهم بكل الوسائل التي تتيح لهم الجهاد المنتج في سبيل الرقي والتقدم؛ ولذلك فهي لن تبخل بأي جهد لنشر التعليم وتيسيره، والتوسع في مجانية التعليم حتى تصل به إلى المجانية الشاملة، تحقيقا لتكافؤ الفرص لجميع المواطنين دون تفريق، وقد قررت فعلا مجانية التعليم الابتدائي والثانوي والفني منذ اليوم.»

وفي مقهى بحي السيدة زينب بالقاهرة يستمع رواد المقهى في سكون إلى خطاب العرش، فيتعالى ضجيجهم وهتافهم عند سماع هذه الفقرة.

يقول عامل لزميله: «لا أنسى أبدا يوم كنت أقف مع زملائي في المدرسة الابتدائية في طابور الصباح، ونزل الناظر إلى حوش المدرسة، وبعد التعظيم والتفتيش، قرأ ضابط المدرسة كشفا فيه أسماء عشرين تلميذا، أنا واحد منهم، وأعلن الناظر أن آباءنا لم يدفعوا المصروفات، وصرخ بالبواب ففتح البوابة على مصراعيها، وصرخ فينا نحن العشرين فخرجنا إلى الطريق وتفرقنا غارقين في الخجل إلى بيوتنا، وكنت بعد ذلك أتجنب المرور أمام المدرسة، ولم أفتح من يومها كتابا، ونسيت كل ما كنت تعلمته وأصبحت من الأميين.»

ويرد زميله بعد صمت قصير: «الحمد لله! الآن أولادنا لن تفتح لهم البوابات للخروج إلى الشوارع ... ولن ينضموا إلى جيش الأميين!»

وفي مبنى وزارة المعارف يزدحم الفناء بوفود تتوالى، تحضر لتهنئة الوزير، والوزير قد انتدب موظفا جهير الصوت، ليشكرهم عنه ويرجوهم الانصراف. ويصل وفد الاتحاد العام للتعليم الحر، الذي كان قد أقام حفلا لتكريم طه حسين وهو خارج الوزارة في صيف العام الماضي، فيأذن الوزير بدخول بعض مندوبيهم بعد إلحاحهم في طلب مقابلته، ويقول لهم: «أنتم مهتمون بمستقبلكم، وبمستقبل التعليم الحر، ولكم الحق في هذا الاهتمام.

أنا شخصيا تعلمت في معهد حر كريم هو الأزهر الشريف، وتخرجت في معهد حر آخر وهو الجامعة المصرية القديمة، وقمت بالتدريس متطوعا في مدارس حرة وهي مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية والمدارس الإعدادية التي كان المرحوم الشيخ عبد العزيز جاويش ينشئها، ثم إنني قمت بالتعليم في الجامعة المصرية حين كانت حرة لا تخضع للحكومة ولا تتصل بها، وأنا أنظر إلى المدارس الحرة في مصر فأرى الذين يعلمون فيها مصريين، والذين يتعلمون فيها مصريين، ويجب ألا يكون هناك فرق بينهم وبين زملائهم في التعليم الأميري في الحق وفي الواجب أيضا. هذه هي نظرتي، فأرجو أن يطمئنكم ذلك وأن تنصرفوا لأقوم أنا أيضا بما علي من الواجبات.»

وينصرف المندوبون وتعلو عند خروجهم الهتافات للوزير.

ما بعد الأيام · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ٨١