طه حسين (يقاطعه) :
تقول بريطانيا؟ إن فلسطين تحت الانتداب البريطاني أليس كذلك؟ إذن تكون بعثة ظاظا إلى بريطانيا وتحدد بالجامعة العبرية في فلسطين الواقعة تحت الانتداب البريطاني، وبهذا لا نخالف قانون البعثات، يعد القرار غدا مع مذكرة بهذا الشرح.» وينصرف مدير البعثات وهو بين الإعجاب بهذا الحل وبين الشك في سلامة هذا التصرف!
ويقول طه حسين للسكرتير بعد انصراف مدير البعثات: «الآن أريد دوسيه جامعة الإسكندرية بالكامل، وإلى أن تحضر الدوسيه أريد أن أكلم وزير المالية في موضوع الدكتور أحمد زكي.»
يقول السكرتير: «إن الدكتور أحمد زكي لم يتكلم معكم في شيء.»
ويقول طه حسين: «أعرف ذلك، وهل يضطر الرجل الكريم إلى أن يتحدث بحاجته إلى الناس؟»
ويتحدث طه حسين إلى وزير المالية، مكرم عبيد باشا، فيقول: «صباح الخير يا باشا، أنا أزعجكم بأمر بسيط ولكن يظهر أنه لا بد من التحدث مع معاليكم فيه، الدكتور أحمد زكي، عميد كلية العلوم، له ترقية طلبتها الجامعة ووزارة المالية.»
ويسمع كلام الوزير ثم يقول: «يا باشا، إذا كان الوزراء لا يعرفون أسماء العلماء فإن هذا أمر لا يعيب العلماء، بل لعله يعيب الوزراء، شاكر جدا يا باشا، الموضوع بين يدي معاليك.»
ويضع سماعة التليفون، ويقول: «معالي وزير المالية يسأل من هو أحمد زكي هذا! أحمد زكي عميد كلية العلوم، العالم، الأديب، الرجل الكريم.» •••
ويقول السكرتير: «إن مدير المستخدمين يلح في الدخول قبل ذهابكم لمقابلة الوزير، إنه محتاج إلى دقيقتين فقط»، ولكن طه حسين يطلب أن يقرأ عليه أولا خطابا واردا من الأمير عمر طوسون، وفي هذا الخطاب يقدم الأمير شكره لأن طه حسين يعمل على إنشاء كرسي للدراسات السودانية بالجامعة، وطه حسين يقول: «سأمليك ردا بعد موعدنا مع الوزير.» ثم يأذن لمدير المستخدمين بالدخول.
يدخل مدير المستخدمين مبتهجا، ويقول إنه قد وجد ثلاث وظائف درجة سادسة للعائدين من البعثات الذين كان المستشار قد تحدث معه في شأنهم.
يقول طه حسين مهتما: «نعم، كنت تحدثت معك في ذلك أول أمس، وقد أخبرتني أنه لا توجد وظائف خالية بتاتا.»
ويضحك مدير المستخدمين وهو يقول: «دبرت هذه الدرجات بصعوبة بالغة، معالي الوزير قال لي: تطلع هذه الوظائف من تحت الأرض، يظهر أنه أراد تنفيذ رغبات سعادتك، طلعناها من تحت الأرض، سنعد قرارات التعيين للشبان الثلاثة، وأنا أستأذن للذهاب للتنفيذ، وإنما أردت أن أدخل السرور على قلب سعادتكم.»
ويقول الدكتور طه: «لا، انتظر، لماذا لم تطلع هذه الوظائف من تحت الأرض عندما تحدثت معك في هذا الموضوع أول أمس؟ هؤلاء الشباب بذلوا أقصى جهدهم في مصر، والدولة صرفت عليهم مصروفات طائلة في أوروبا، وكان من الحق أن توظفهم الدولة قبل سفرهم للبعثة ولكن القوانين كانت تقضي بألا يوظفوا إلا بعد أن يعودوا ... وقد حاولت أن أوضح لك أنهم قد تحملوا من عبء الدراسة في الخارج ما تحملوا، ومن أهوال الحرب ما فرضته البعثة عليهم، وأن عدم تعيينهم خسارة على البلد، وأكدت أنت لي أنه لا توجد أي درجات، ولا أي طريقة لتدبير الدرجات لا فوق الأرض ولا تحتها، أليس كذلك؟»
ويرد المدير بأنه لما رأى رغبة الوزير القوية، ولما قال له الوزير الدرجات تطلع من تحت الأرض ...
ويقاطعه طه حسين بقوله: «يا سيادة المدير، هل معك ورقة وقلم؟ اكتب إذن قرارا بخصم يومين من راتب السيد مدير المستخدمين، نظرا لأنه كذب على مستشار الوزارة.»
ومدير المستخدمين يكتب ما أملاه المستشار مبتسما، معتقدا أن الموضوع مداعبة، ولكن المستشار يطلب إليه أن يعطي الورقة للسكرتير لتأخذ مجراها، ويخبره أنه في انتظار قرار تعيين الشبان الثلاثة قبل ظهر الغد. •••
يدخل طه حسين مكتب الوزير أحمد نجيب الهلالي باشا فيجده مشغولا بالحديث بالتليفون، ينهي الوزير الحديث بقوله لمحدثه: «أرجو سرعة إبلاغي بالتطورات»، ثم يقول للدكتور طه ووجهه مكفهر: «أخبار سيئة، باريس سقطت في يد الألمان.»