تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وساد صمت قطعه بالسؤال عن عدد الجامعيين الذين تم تجنيدهم في القوات المصرية المسلحة. •••

وفي الثالث من أكتوبر عام 1973 وصلت الباخرة إسبريا إلى الإسكندرية تحمل طه حسين وزوجته عائدين من رحلة الصيف.

وفي السادس من أكتوبر عام 1973 عرف طه حسين أن جيش مصر قد تحدى ما جمع العدو له من قوة لترهبه وتقهره وتضطره إلى ذل الاستسلام، وأن جيش سوريا يقوم بنفس التحدي.

ولست أشك في أن طه حسين قد تخيل الجيش المناضل وهو يضم الشباب المتعلم الذي سبق أن سأل عن عدده، تخيله يحارب وهو يدرك لماذا يحارب، وبماذا يحارب، ولمن يحارب.

لست أشك في أنه تخيل من بينهم شباب جامعته الأولى جامعة الأزهر، وشباب جامعته الثانية جامعة القاهرة، ثم شباب الجامعات التي أنشأها هو جامعة الإسكندرية وجامعة عين شمس وجامعة أسيوط؛ تخيل شباب هذه الجامعات يحاربون إلى جانب إخوانهم الذين لم يحصلوا على ما حصلوا عليه هم من التعليم، ولكنهم يساوونهم في الإخلاص والعزيمة والتصميم.

فمنذ سمع طه حسين بشاعة مصرع زميله أحمد ضيف في الحرب العالمية الأولى، التي لم يكن لمصر فيها ناقة ولا جمل، ومنذ قتل ابن أخته في الحرب العالمية الثانية ولم تكن مصر عند ذاك طرفا فيها؛ وطه حسين يسأل نفسه: «ألن تحارب مصر دفاعا عن نفسها هي، ولخلاصها هي؟»

ولقد كان يدرك مع ذلك أن للحرب ضحايا من البشر، ويعرف آلام الأمهات الثكالى وجزع الآباء واليتامى، وهو لا شك قد تساءل: «هل يستطيع الإنسان يوما أن يتغلب على نفسه فيردها عن العنف، ويروضها على الإيمان بالقانون، ويعلمها أن تحترم ما تلوكه ألسنتها من عبارات ميثاق الأمم المتحدة؟»

لقد آمن هو بهذا الميثاق، وقبل أن تحرر وتعلن نصوصه كان قد كتب نصوصا مشابهة في خطاب الكتاب المصريين إلى نادي القلم الدولي إعلانا لموقفهم أثناء الحرب العالمية الثانية، ولرؤيتهم لعالم ما بعد تلك الحرب.

ولكنه قد شك دائما في قدرة الدول على أن تعيش بهذا الميثاق وطبقا لأحكامه، وأدرك دائما أن القوة تغري بالعدوان فلا يلد العنف إلا العنف، ولا بد أن تمضي سنوات وسنوات، وأن تقع الكوارث بعد الكوارث حتى تبلغ الإنسانية مرحلة الرشاد. •••

كنت أجلس في مقعدي بالجمعية العامة للأمم المتحدة عندما أقبل الأستاذ عمرو موسى «السفير الآن» ليخبرني أن الأمم المتحدة قد اختارت طه حسين بين العشرة الذين ستمنحهم المنظمة الدولية جائزة حقوق الإنسان ذلك العام، وأن رئيس الجمعية العامة سيبرق إليه يهنئه بالجائزة ويرجوه الحضور إلى نيويورك في شهر ديسمبر (1793) ليتسلمها بنفسه.

وقد وصلت البرقية، فقرأتها السيدة سوزان عليه وهو على وشك الرحيل، وكانت ابتسامته الخفيفة هي آخر حركة له قبل أن يلبي نداء مولاه. •••

وفي رامتان، في الدار التي خلت من صاحبها، استقبلت الأستاذ «يوسف السباعي» وزير الثقافة و«الدكتور صوفي أبو طالب» وكيل جامعة القاهرة. منذ ذاك كان «يوسف السباعي» يرى أن يبدأ تشييع جنازة طه حسين من جامع عمر مكرم؛ حيث توجد الجماهير التي يمكن أن تشارك في تشييع الجنازة، ولكني كنت أفضل أن يبدأ تشييع جنازة طه حسين من بيته الذي أحبه، من جامعة القاهرة. •••

ويتجمع المشيعون في قاعة الاحتفالات الكبرى في جامعة القاهرة، فتمتلئ بجموعهم فليس فيها - كما يقال - موضع لقدم، ويتحرك موكب الجنازة يتقدمه نائبا رئيس الجمهورية السيد حسين الشافعي والدكتور محمود فوزي، ومؤنس طه حسين الذي عاد من باريس رغم صعوبة المواصلات، وإلى جانبهم ومن خلفهم رجال الدولة وممثلو الدول الأجنبية وأساتذة الجامعات المصريون وغيرهم، ورجال القلم والإعلام، والطلاب من تلاميذه ومريديه.

ولا يكاد الموكب يخرج من حرم الجامعة حتى تنضم إليه جماهير الشعب، يعبرون معه النيل من الغرب إلى الشرق، ويتوقفون ألوفا أمام مسجد صلاح الدين ريثما نصلي على الجثمان، وفي عيونهم وعيوننا دموع لا يخجل منها الرجال.

ما بعد الأيام · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ١٢٢