تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويستمر تفكيره: لقد عرفت مصر صروح العلم الشامخة؛ من جامعة الإسكندرية، إلى جامعة عمرو بن العاص، إلى جامعة الأزهر، ثم تعرضت لاحتلال الأجانب فضاعت الحرية، وبضياع الحرية ضاع العلم، واستشرت الأمراض، وافتقر الناس، الجهل علاجه العلم، المرض يحاربه التعليم، الفقر يطارده التعليم، الحرية نفسها لن يطالب بها الناس ولن يحرصوا عليها إن حصلوا عليها ولن يقدروها حق قدرها إلا بالتعليم.

لا بد إذن من التعليم، التعليم الجاد، وبهذا التعليم الجاد سنعرف أنفسنا، سنعرف أن أهلنا قد حققوا من الامتياز في الماضي ما لم تحقق مثله الشعوب المعاصرة لهم، وسوف يتبدد الوهم الذي يسيطر على بعضنا بأن شعوب أوروبا أرقى منا بالطبيعة، إنها إنما تجاوزتنا بالعلم، ونحن بالعلم نستطيع أن ندركها بل أن نتجاوزها.

إنه يحس بمسئولية قادة الفكر، مسئولية الرائد أن يسير بأهله إلى ما فيه الخير والنفع والعزة.

وتقبل موجة عالية تكاد تغرقه، فيمسك بالحبل ويخرج بمعاونة صاحبيه، يخرج ضاحكا يقول: «الآن عرفت كيف يسبح الناس، وعرفت أيضا كيف يغرقون!»

ويجلس الثلاثة على شرفة الفندق، فيلاحظ الزناتي أن شهر يوليو مزدحم في الإسكندرية كالعادة، ويذكر الزناتي أن شهر يوليو هو شهر الثورة الفرنسية، وأن الجبرتي قد وصف احتفال نابليون الضخم بهذا العيد في الأزبكية، ويقول طه: «لماذا لا نحتفل نحن بأعيادنا؟»

ويسأل الزناتي: «مثل عيد رأس السنة الهجرية؟»

ويقول طه: «نعم، مثل عيد رأس السنة الهجرية.»

فيقول الزناتي: «هل تذكر قصيدتك في عيد رأس السنة الهجرية منذ نحو عشرين سنة، في احتفال نادي المدارس العليا، قبل السفر إلى فرنسا، سنة 1914؟» ويتذكر طه حسين، ويقول: «نعم، في مدرسة مصطفى كامل ... أجلسني الشيخ عبد العزيز جاويش - سامحه الله - على المنصة إلى جواره فظننت هذا تلطفا منه، ولكنه فاجأني بإعلان اسمي على أنني بديل عن حافظ إبراهيم الذي كان قد وظف في دار الكتب فلم يستطع المشاركة في الاحتفال، لقد أصبح موظفا محترما!»

ويقول الزناتي: «الشيخ جاويش أعلن ذلك لأنك كنت قد أنشدته قصيدتك.»

ويقول طه وهو يبتسم: «نعم، كان عمري عند ذلك الحين خمسة وعشرين عاما. ولقد نسيت الآن ذلك الهراء الذي كنت أسميه شعرا، والذي أنشدته وأنا أرتعد ارتعادا.»

ويقول الزناتي: «ولكني لم أنس، أنت قلت مخاطبا هلال السنة الجديدة:

كن أنت، بعد أخيك، خير هلال

وأضئ لمصر سبيل الاستقلال»

ويرد طه حسين: «هل هذا شعر؟!»

ويرد الزناتي: «المهم أنك كنت تبحث عن طريق الاستقلال منذ عام 1914، قبل الثورة المصرية بخمس سنوات.»

ويقول طه حسين: «هل تذكر يا زناتي من ألقى قصيدة أخرى في تلك الحفلة؟» ويرد الزناتي: «نعم، الشاعر أحمد نسيم.»

ويقول طه: «نعم، ولكن المهم أكثر الشاعر خليل مطران، الشاعر المسيحي الذي أنشد في ذلك العام قصيدة رائعة لمناسبة بدء العام الإسلامي، مشاركا الشباب الذي أراد أن يحتفل بأعياد البلاد.»

ويقول الزناتي: «نعم، عندك حق في أن تذكر خليل مطران، شاعر القطرين كما نسميه الآن، وأن تذكر هذا التضامن الرائع بين المسلمين والمسيحيين في مصر وهو أساس نهضتنا الحاضرة بغير شك، ولكن هل تذكر ماذا قلت أنت مخاطبا أولئك الشباب؟ لقد قلت:

شبان مصر لكم أزف تحيتي

وإلى حميتكم أسوق مقالي

أحيوا العلوم ولا حياة لأمة

أمر النساء بها إلى الإهمال

كونوا لمصر كما تؤمل فيكم

ذخر الزمان وبهجة الآمال

وأنت ورأيك في قيمة الشعر، ولكن المعنى، الموضوعات، الاستقلال، المرأة والشباب، أنت كنت تبحث عن الاستقلال عام 1914 وترى أن بناء الوطن بعد ذلك يحتاج إلى العناية بالشباب وبالمرأة والاهتمام بالعلوم، قلت هذا في سنة 1914 وعمرك خمسة وعشرون عاما.

وهناك بيت آخر كنت نسيته ولكني أتذكره الآن، لقد قلت في تلك القصيدة:

ما بعد الأيام · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ١٢