تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحيثما قابل طه حسين شباب المغرب ومثقفيه كان يسمع منهم طويلا ويتحدث إليهم، كانوا يستصعبون النحو العربي فيقول لهم إن من اللازم ومن الممكن تيسيره، ويشكلون الكتابة العربية التي لا بد أن يفهمها الإنسان أولا ليقرأها صحيحة بعد ذلك، فيقول طه حسين: «لقد أعلنت مرارا وأعلن الآن أنه لا بد من إصلاح الكتابة العربية مع رفضي التام للكتابة بالحروف اللاتينية، ويجب على هذا الجيل من العرب أن يبحث عن أحسن الوسائل لإتمام هذا الإصلاح المطلوب والضروري.»

ويقول طه حسين ردا على سؤال عن قدرة اللغة العربية على التعبير عن مصطلحات السياسة والحضارة الحديثة: «إن مجمع اللغة العربية بالقاهرة يسلك في هذا الشأن مسلكا حميدا، وهو البحث عن الاصطلاح العربي القديم إذا وجد واستعماله إذا كان ملائما أشد الملاءمة وأدقها للمعنى العلمي الذي يؤديه المصطلح الأجنبي، وإلا عرب المصطلح الأجنبي نفسه. وليس في التعريب أي حرج، فإن كل الدول الأوروبية مثلا تستعمل اللفظين اليونانيين أكسيجين وهيدروجين، ولا داعي لأن نحاول ترجمة هذين اللفظين للغة العربية.» •••

ويزور طه حسين مدن الرباط ومكناس والدار البيضاء وفاس (حيث يستقبله الزعيم علال الفاسي) وتطوان، ويصعد بالسيارة في جبال الأطلس إلى مراكش، ويتوقف عند قرية في الجبل أمام محل صغير وقد استرعى نظر زوجته رداء مغربي أبيض جميل توقفت لشرائه.

وأمام المحل الصغير في القرية المغربية يتجمع بعض أهل القرية يتحدثون فيما بينهم عن الزائر الذين عرفوا أنه طه حسين، ويتقدم رجل عجوز من سكرتير طه حسين ويقول له: «إن الأستاذ لا يعرفني طبعا، أنا رجل من عجائز هذه القرية، ولكني أرسلت من هنا برقية إلى طه حسين في القاهرة منذ سنين.»

ويلتفت طه حسين للعجوز ويسأله: «أرجو أن تذكرني ... ماذا كان موضوع البرقية؟»

العجوز :

كنت أنت قد خطبت في الجامعة الأمريكية في القاهرة فقلت إنكم في مصر تتحدثون عن المشرق العربي كثيرا ولكنكم يجب أن تذكروا أيضا المغرب العربي، وأن تهتموا كثيرا ببلاد المغربي العربي. وعندما قرأت تلخيص حديثك في بعض الصحف التي وصلت إلينا هنا أرسلت لك برقية أشكرك باسم المغرب العربي.

طه حسين :

نعم، نعم، أذكر حديثي في الجامعة الأمريكية، وأذكر برقيتك، وأذكر أنك لم تذكر فيها عنوانك فلم نرد عليك، وأذكر أن السيد السنوسي قد أرسل إلي من ليبيا برقية تشابه برقيتك. لماذا لم تذكر عنوانك؟

العجوز :

لأني اعتبرت أن البرقية مرسلة إليك منا جميعا، من المغرب العربي وليس مني أنا فقط.

وداخل المحل تقول السيدة سوزان: «ما أجمل هذا الرداء! سوف يكون جميلا عندما ترتديه أمينة بنت مؤنس، سأعطيه لها عندما تحضر مع والديها لقضاء يومين معنا في إيطاليا، في تريستا، قبل عودتنا إلى مصر.»

صاحب المحل يحاول أن يقدم الرداء هدية، ثم لا يتقاضى في آخر الأمر إلا أصل ثمنه دون أخذ أي ربح من طه حسين.

وفي السيارة في طريق العودة إلى مدينة الرباط تعرض سوزان على زوجها الرداء الذي اشترته لحفيدتهما، بنت مؤنس، ويقول طه حسين: «لقد طالت غيبتهم عنا، ولقد تفرق الجميع؛ إن أمينة بنتنا مع زوجها وأولادهما في مقر عمل زوجها في الصومال، في مقديشو، ومؤنس وزوجته وابنته في مقر عمله باليونسكو في باريس.»

وتسأل سوزان: «ألم يحن موعد استقلال الصومال بعد؟ أنا مشتاقة جدا إلى إعلان استقلال الصومال، فإن مهمة محمد هناك كما أخبرني موقوتة بانتهاء الوصاية الإيطالية على الصومال وإعلان استقلاله.»

ويرد طه حسين فيقول: «إن الموعد المحدد لإعلان الاستقلال حسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة هو الثاني من ديسمبر 1960، ولكن محمد أخبرني أنهم يجتهدون في تقديم الموعد إلى صيف 1960، وأنا واثق أنه سينجح. لقد أرسلت مصر إلى الصومال شبابا من أحسن شبابها، تذكرين كمال الدين صلاح مندوبنا الذي استشهد هناك والذي حل محله محمد؟ سنقابل أمينة وأسرتها الصيف القادم إن شاء الله، أما في هذا الصيف فسوف نرى ليلى ومؤنس وابنتهما في «تريستا» بعد قليل.» •••

ما بعد الأيام · الصفحة ١٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ما بعد الأيامص ١٠٩