وتقول سوزان: «أذكر.»
ويقول طه حسين: «وعندما أردت إنشاء معهد عربي في مدينة طنجة، قامت الدول الاستعمارية المتحكمة هناك بمقاومة الفكرة بعنف شديد وساندتها فرنسا أو قولي دفعتها فرنسا إلى المقاومة!»
وتقول سوزان في مرارة: «ذلك أن فرنسا تعرف خطر الثقافة، لك الحق كل الحق، إن فرنسا قد اعتدت على مصر، ومصر محقة في غضبها وفي وقفتها ضد المعتدين، وأنت محق في غضبك. إنك سترد الوسام الفرنسي، على أنك إنما ترده على الحكومة الفرنسية التي أمرت بالعدوان، والتي أعتقد أن الشعب الفرنسي لا يمكن أن يوافق على تصرفاتها.»
ويقول طه: «إنما يغضب الشعب الفرنسي إذا فشلت الحكومة الفرنسية في عدوانها، وليس إذا نجح العدوان! وهذا سبب جديد لضرورة المقاومة وإيقاع الهزيمة بالمعتدين.»
وتقول سوزان: «وهل يتيسر مقاومة ثلاث دول مدججة بالسلاح، وإيقاع الهزيمة بهذه الدول الثلاث؟»
طه :
نعم، نقاوم، وننتصر، بإيمان المظلوم بعدل كفاحه، ومعرفة المعتدي بظلم عدوانه
كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله
صدق الله العظيم. •••
في حديقة رامتان يقول مؤنس لوالده: «كل شيء في الجامعة جميل، الدراسة والتدريس، الطلبة، وكثير من الزملاء المشتغلين بالدرس والتدريس، ولكن ...»
طه حسين :
ولكن؟
مؤنس :
هناك من الجامعيين الآن عدد لا يشتغل لا بالدرس ولا بالتدريس.
طه :
ممن يسمون أنفسهم بالجامعيين؟
مؤنس :
أنت تخرف طبعا، لقد أهديت أحد كتبك إلى الذين لا يعملون ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس.
طه حسين :
وأنت ترى أن هذا يا مؤنس لم يمنعني من مواصلة العمل.
مؤنس :
قرأت مرة أن وودرو ويلسون عندما انتخب رئيسا للولايات المتحدة حذره بعض أصدقائه من مؤامرات ودسائس السياسيين في واشنطن، وأن ويلسون رد بقوله: وماذا تكون هذه المؤامرات والدسائس في عاصمة الحكم؟ لا بد أنها ستعتبر من أعمال الهواة إذا قيست بمؤامرات ودسائس الجامعيين!
طه حسين :
لا شك أن الرئيس ويلسون كان يبالغ؛ لأنه إذا أصيبت جامعة بمثل هذا الداء فلن يكون لها بقاء بين الجامعات. أريدك أن تعرف يا ولدي أن الخير هو الأصل، وإنما يفزعنا الشر ويروعنا لأنه شاذ، وأن العمل والاجتهاد هما الأصل وغير ذلك استثناء يؤسف له، ولكنه استثناء.
مؤنس :
أنت تشجعني، وأنا في الحقيقة محتاج إلى تشجيعك؛ الغيرة والدسائس قبيحة، ولكنها أقبح ما تكون عندما تمتلئ بها صدور المقربين إلينا ممن يلبسون لباس الأصدقاء، ولكن لندع هذا لأن لدي خبرا أريد أن أسرك به ... لقد ذهبت ليلى إلى الطبيب هذا الصباح ...
طه حسين :
وإذن سيكون لنا حفيد جديد؟
مؤنس :
ما أسرع ما فهمت عني! ولكنك طه حسين.
طه حسين :
وماذا يكون خبر أسر له يرتبط بزيارة ليلى للطبيب غير ذلك؟ لقد أدخلت على قلبي الفرح يا مؤنس، إنني أراها الآن، أرى طفلتك يا مؤنس تملأ «رامتان» حياة. والأشجار هذه سيصبح لها معنى عندما يتسلقها أو تتسلقها ابنك أو ابنتك.
مؤنس :
أنت حيران بين المذكر والمؤنث، من يدري ربما يلزم استعمال المثنى! تصبح على خير يا أبي! لا بد أن أذهب إلى ليلى.
ويتأهب مؤنس للانصراف، ويقول له والده: «قبل عني ليلى، قبلها مرتين أو ثلاثا إذا شئت!
وفي رامتان بعد ثمانية أشهر ... •••
يقول طه حسين لزوجته وهو يتأهب للذهاب للنوم: «ألم يقل لنا الطبيب أن نترقب الحادث السعيد هذه الليلة؟»
وترد السيدة سوزان: «ومتى كان الطبيب يستطيع أن يحدد اليوم والساعة؟ على أنه مطمئن جدا؛ الحالة عادية تماما.»
ويقول طه حسين: «أذكر بالألم والرعب تعبك.»
وترد سوزان: «لم أعد أذكر مولد أمينة ومولد مؤنس إلا بالرضا والحب والحنان.»
ويقول طه حسين: «وإذن ننتظر خبرا من المستشفى هذه الليلة.»
وترد السيدة سوزان: «ليس هذه الليلة قطعا، هذا ما أكده الطبيب، اذهب لتنام ... سأستيقظ مبكرة في الصباح.»