ولكن سعد باشا زغلول يرى رأيا مخالفا وهو ينسف تصريح 28 فبراير نسفا، عندما يحكي قصة الأعرابي الذي كانت له ناقة ثمينة عزيزة عليه مرضت مرض الموت، فنذر الأعرابي نذرا لئن شفيت ليبيعنها بدرهم واحد، وشفيت الناقة فأسقط في يد الأعرابي، ثم اهتدى إلى حل بدا له؛ ربط نعلا قديمة بعنق الناقة ثم دفعها والنعل في عنقها إلى السوق، وجعل ينادي عليها: «ناقة بدرهم واحد ونعل بمئة دينار، ولا أبيعهما إلا معا.» فكان الناس يقولون: ما أحلاها لولا الملعونة في عنقها! والملعونة في تصوير سعد هي التحفظات الأربعة التي ربطت في عنق تصريح 28 فبراير.
ويتفاقم الخلاف بين السعديين والعدليين ويزداد الانقسام ويشتد، ويتطرف الشارع المصري في الانحياز إلى زعيمه سعد زغلول وفي معاداة عدلي وثروت وزملائهما، وتخرج الجماهير إلى الشارع لا تريد أن تسمع إلا رأيا واحدا، ولا أن تنقاد إلا إلى زعيم واحد، هتافها «لا زعيم إلا سعد.»
ويخرج طه حسين عما كان يأخذ نفسه به ويرى أن يأخذ العلماء أنفسهم به من الابتعاد عن الانحياز إلى الأحزاب، يكتب أن القول بأن لا زعيم إلا فلان ولا قول إلا قول فلان هو كلام مرفوض، لأن فيه مصادرة لأصحاب الآراء الأخرى لا تجوز.
وطه حسين مدرك أنه - بهذا الموقف - قد أثار سخط الجماهير عليه وعاداها، وقد سبق له أن أثار سخط السلطان واستجلب عداوته، ولكن طه حسين يكره الطغيان في كل صوره ولو كان طغيان الشعوب.
في أول العام الجامعي الجديد «22-1923» يقبل طه حسين دعوة الجمعية الجغرافية الملكية لإلقاء محاضرة بقاعتها عن المادة التي يدرسها في الجامعة وهي التاريخ اليوناني والروماني، ولكنه لا يكاد يبدأ المحاضرة حتى يقاطعه أحد الحاضرين بسؤال عن فائدة هذا الموضوع ولماذا نعنى نحن بتاريخ غيرنا بعد أن نلنا الاستقلال، لماذا لا نحصر اهتمامنا بتاريخ مصر وبتاريخ العرب والمسلمين، ما لنا وللتاريخ القديم؟
وطه حسين يبين أن العناية بمادة معينة لا تعني عدم العناية بسواها، ثم إن دراسة التاريخ اليوناني والروماني نافعة في دراسة تاريخ مصر وتاريخ العرب أيضا، وهي كذلك دراسة لجزء من تراث الإنسانية ونحن ورثة نشارك في هذا التراث فيجب أن نعرفه.
ويرضى المثقفون عن حديث طه حسين، ولكن هناك أيضا من يرضى عن مقاطعة من قاطع ويسخط على طه حسين! •••
يحاول الملك الضغط على رئيس الوزراء ثروت باشا ليعدل المواد الواردة في مشروع الدستور التي تنص على أن الأمة مصدر السلطات، وعلى أن الوزارة مسئولة أمام البرلمان، ولكي ينص الدستور المعدل على حقوق للملك، منها ولايته على التعليم الديني عن طريق وزارة الأوقاف، وحقه في تعيين رئيس مجلس الشيوخ، وكذلك للنص على استثناء بعض المعاهدات التجارية من الخضوع لسلطة البرلمان وغير ذلك من التعديلات.
والإنجليز يطالبون الوزارة بحذف المادتين الواردتين في مشروع الدستور بشأن تلقيب الملك بملك مصر والسودان وبترتيب حكم خاص للسودان.
ولكن ثروت باشا يرفض طلبات الملك، ويحاول الملك توسيط عدلي باشا يكن لدى رئيس الوزراء، فيعتذر عدلي باشا أيضا، فيرغم الملك رئيس وزرائه على الاستقالة، ويعين مكانه رئيس ديوانه توفيق نسيم باشا، ويشاع أن نسيم باشا سينفذ طلبات الملك، فيغضب الزعماء ويغضب الشعب، ويكتب الأستاذ عباس محمود العقاد مقالا يقول فيه:
الدستور كما كتب يعلن، وإن كانت به أخطاء فإن البرلمان يناقشها.
ويكتب عبد العزيز فهمي - أحد الأعضاء البارزين في لجنة الثلاثين التي أعدت الدستور - إلى رئيس الوزراء يقول له:
رجل يجلك ويتفاءل خيرا بوزارتك، يرى واجبا عليه أن يوجه إليك هذا الخطاب بلاغا وتبصيرا، لقد عنيت لجنة الدستور عناية تامة بالبحث في شأن السيادة على البلاد فرأت أنها تمحصت للأمة، وأن كل سلطة قد أصبحت الأمة مصدرها، وأن سلطانها أضحى فوق كل سلطان، فجعلت هذا المبدأ أساسا للدستور ودونته بالمادة 23 من مشروعها. ولكن الناس يتناقلون أن دولة نسيم باشا، غفر الله ذنبه وستر عيبه، قد حذف هذه المادة من مشروع الدستور فقلبه بهذا الحذف رأسا على عقب، وأصبح الدستور مجرد منحة، على اعتبار أنه لا حق في الأصل للأمة ولا سلطان للأمة ولا سيادة للأمة.