الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرف نوع الإنسان ، بالأصغرين : القلب واللسان ، وفضله على سائر الحيوان بنعمتي المنطق والبيان ، ورجحه بالعقل الذي وزن به قضايا القياس في أحسن ميزان ، فأقام على وحدانيته البرهان . أحمده حمدا يمدنا بمواد الإحسان ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي لا يحرك كنه ذاته بالحدود والرسوم ذوو الأذهان ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المخصوص بالآيات البينات كل البيان ، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ، صلاة وسلاما يحومان ما دام الملوان ، ويبقيان في كل زمان وأوان .
وبعد ، فهذا كتاب لم يسألني أحد تصنيفه ، ولا كلفت القريحة تأليفه ، وإنما دعاني إلى ذلك أنه وقع في بعض الدروس ، التي لا مخبأ فيها لعطر بعد عروس ، ذكر مالك الحزين والذيخ المنحوس ، فحصل في ذلك ما يشبه حرب البسوس ، ومزج الصحيح بالسقيم ، ولم يفرق بين نسر وظليم ، وتحككت العقرب بالأفعى ، واستنت الفصال حتى القرعى ، وصيروا الأروى مع النعام ترعى ، وقضوا باجتماع الحوت والضب قطعا ، واتخذ كل أخلاق الضبع طبعا ، ولبس جلد النمر أهل الإمامة ، وتقلدها الجميع طوق الحمامة .
والقوم إخوان وشتى في الشيم . . . وقيل في شأنهم : اشتدي زيم
وظن الكبير أنه ' أصدق من القطا وأن الصغير كالفاختة غلطا ، وصار الشيخ الأفيق ، كذات التحيين والمعبد ذو التحقيق كالراجع بخفي حنين والمقيد كالأشقر تحيرا ، والطالب كالحباري تحسرا ، والمستمع يقول : كل الصيد في جوف الفرا والنقيب كصافر يكرر ' أطرق كرا ' ، فقلت عند ذلك في بيته يؤتى الحكم ، وبإعطاء القوس باريها تتبين الحكم ، وفي الرهان سابق الخيل يرى ، ' وعند الصباح يحمد القوم السرى ' واستخرت الله تعالى وهو الكريم