تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحج, ويؤم المدينة النبوية الطيبة المباركة , فيقيم بها شهرين متتابعين , مصلياً بالمسجد النبوي طلباً للأجر المضاعف , ثم متشرفاً بسنة الزيارة: زيارة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم , والسلام عليه , ومستنشقاً أرج النبوة من كتب , ومستفيداً من سماع الدروس في المسجد النبوي المبارك , ثم يعود من متع الروح والقلب , مَزْهوّاً بحجه وزيارته وصلواته , وفرحاً بما شاهد من منازل الوحي وبما سمع من علماء الحرمين.

وإلى جانب هذه الضلاعة النفسية العجيبة , تبدت ضلاعته الذهبية في سرعة حفظه وحدّةِ فطنته ويَقَظَةِ قلبه وعمق فهمه، ومن بيّنات ذلك أنه حفظ القرآن العظيم عن ظهر القلب قبل بلوغه العاشرة من العمر، فأدهش الناس من حوله، وقرأ الفقه على أبيه (القاضي عبدالوهاب بن الشيخ الفقيه سليمان التميمي)، وأقبل على كتب التفسير والحديث والعقيدة يلتهمها التهاماً، وطالبُ العلم النجيب نَهِمٌ لا يشبَعُ، وفي اللغة العربية ما في عيون المها من السحر الحلال، وما يأخذ بمجامع الأفئدة من الإيقاع والفتون، وفي كتب التفسير والسُّنّة الصحيحة المطهرة والفقه والتوحيد، الزّادُ الطَّيّب الذي يغذي العقول، وينوّر البصائر، ويشرح الصدور، ويفقّه النفوس بما لها وما عليها، لتقول طيّباً، وتعمل صالحاً، وفيها العلم العظيم الذي لا أجلَّ منه في علوم فقه الحياة جمعاء.

ومن هذا الفناء في العلم، في أصغر سن، بلغ الصّبيّ العبقريّ ما لا يبلغه كبار السن في الأمد البعيد، وفاض على قلمه ما وعاه فؤاده، فإذا هو في سرعة الكتابة مثله في سرعة الحفظ: يكتب في المجلس الواحد كرّاسةً من غير تعب، فما أشبهه في حالاته العجيبة بـ (تقيّ الدين بن تيميّة) العظيم في طفولته في الخوارق النفسية والذهنية وسرعة الحفظ وسرعة الكتابة وحدة الفطنة وكثرة الاستيعاب، الذي أدهش دنيا الشام من حوله، وصار مَثَلاً مضروباً في عبقرية المواهب العالية؛ فلا تثريب على (عبدالوهّاب) الفقيه القاضي وإمام الجماعة في بلده أن يطير سروراً وإعجاباً بصبيه العبقري النجيب، وأن يتحدث لأصحابه عن مدركاته، وأن يعلن أنه استفاد منه فوائد في الأحكام قبل بلوغه، بل لا تثريب عليه أنْ رآه أهلاً للصلاة بالجماعة، وهذه رجولته ومعرفته بالأحكام وحفظه وديانته وعقله، فقدّمه إماماً يؤم المصلّين، فارتضوه معجبين.

وما يلبث الصّبي الرَّجل طالبُ العلم الناشئ أن يدفعه وعيه العميق إلى الموازنة بين ما يقرأ من مسائل التوحيد الخالص وما عليه ناس ببلده من مخالفة له في بعض تعبّداتهم، ومن تعلقهم بالبِدع ومحدثات الأمور، فيثور ثائرة .. يردَعُ العامّة عن منكراتهم، وينكر على العلماء أنهم يرون الاعوجاج ولا يقوِّمونه.

كان ذلك بدء الإشارة إلى ما سيكون عليه شأنه في الإصلاح في مستقبله.

دعوة التوحيد والسنة · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دعوة التوحيد والسنةص ٩