تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جاء (محمد بن عبد الوهّاب) على فترة من المصلحين الكبار أصحابِ الأصوات الجهيرة في الإصلاح والدعوة إلى التوحيد والوحدة، وحين ظُنَّتِ الظَّنون بالعرب وبالمسلمين، إذ اكتنف الظلام جِواءَ العالم المسلم، وانبهمت المطالع، وركدت ريح العرب في ديارهم، و تفرّقت كلمة المسلمين، فضعفوا، وهان شأنهم على الأقوياء، فطمع فيهم الطامعون من كل جنس.

وكان إشراق النور الجديد من قلب هذا الظلام، من الأرض القفرة، عجباً العجب، ومثار دهشة الغرب خاصة، إذْ كانت دُوَلُه بعد عصر (الرّينصانص) والثورة الصناعية، تُعِدّ العُدَد، وتتآمر فيما بينها على العالم المسلم، وتتحالف للسيطرة على ينابيع ثرواته العظيمة .. تغني بها فقرها.

وكان قد استقرّ عند هذه الدّول أن العالم المسلم قد صار جثة هامدة لا حراك بها، فلا بد من أن تكون هي وارثة أرضه وكنوزه ومعادنه وخيراته.

فلما سمعت صيحة الإسلام الجديدة المدوّية تنطلق من بين رمال الجزيرة دهشت، فأسرعت تراجع ظنونها الخائبة، وارتدت إلى أذهانها صيحة الإسلام الأولى وانبعاثه من هذه الجزيرة العربية نفسها كالأَتِيَّ يتحدّر دفّاقاً من مَخارِمِ الجبال إلى أطراف المعمورة فتحا وإنشاء وإعماراً، لا أَجَلَّ منه ولا أروعَ.

فانتصبت لهذا الأمر الجديد .. ترصد أخباره، وتتعرّف مَوارِدَهُ ومَصادِرَه، وتتبين مبادئه وغاياته، عسى أن يكون فجره كاذبا ً، وأن يعود نشوره موتاً.

حتى إذ كذّب الواقع أمالها، طفِقت تحاول إبطاله، فأوحت إلى وسائل إعلامها أنْ تُلقي الشبهات عليه، وتشوّه صورته، فرمته ورمتِ الناهضَ به بالعضاهة، وخلّطت ما شاءت لها الأهواء أن تخلّط مما يعرفه العارفون وما بنا حاجة إلى ترديده، وقلّصتِ الشأنَ كلَّه حين وضعت هذا الأمر الجديد العظيم في بؤرة الطائفية التي تزيد أرقام الطوائف رقماً جديداً، أي عكست الحال، فنبزته بالوَهّابية " wahhabism" وأذاعت هذا النَّبْزَ الأنباءُ الجوائب، فتلقفته الأسماع، وردَّدَته الألسنة، ودونته الصحف والمجلات والكتب ودوائر المعارف الكبرى بكل لسان.

وراق الدولة العثمانية هذا النَّبْزُ، فأجرته على ألسنة الدراويش ومرتزقة طعام التكايا والزوايا من تنابلة السلطان، وأفرطت في إلقاء الشبهات عليه وتشويهه، ولا سيما بعد استفحال شأنه، وقيام دولة التوحيد والسُّنّة في جزيرة العرب على أساسه

دعوة التوحيد والسنة · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دعوة التوحيد والسنةص ٥