جَمَلٍ لَهُ حِينَ فَرَغَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُطْبَتِهِ، وَهُوَ يَصِيحُ: أَنْشُدُ بِاَللهِ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ حِلْفِي، وَأَنْشُدُ بِاَللهِ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ دَارِي [ (1) ] ! قَالَ: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان ابن عَفّانَ، فَسَارَ عُثْمَانُ بِشَيْءِ، فَذَهَبَ عُثْمَانُ إلَى أَبِي أَحْمَدَ فَسَارَهُ، فَنَزَلَ أَبُو أَحْمَدَ عَنْ بَعِيرِهِ وَجَلَسَ مَعَ الْقَوْمِ، فَمَا سَمِعَ أَبُو أَحْمَدَ ذَاكَرَهَا حَتّى لَقِيَ اللهُ، فَقِيلَ لِعُثْمَانِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَاذَا قَالَ لَك رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ أَنْ تَقُولَهُ لِأَبِي أَحْمَدَ؟ فَقَالَ: لَمْ أَذْكُرْهُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَأَذْكُرُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ؟ وَكَانَ أَبُو أَحْمَدَ قَدْ حَالَفَ إلى حرب ابن أُمَيّةَ، وَكَانَ الْمُطّلِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ قَدْ دَعَاهُ إلَى أَنْ يُحَالِفَهُ وَقَالَ:
دَمِي دُونَ دَمِك وَمَالِي دُونَ مَالِك! وَحَالَفَ حَرْبَ بْنِ أُمَيّةَ فَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ:
أَبَنِي أُمَيّةَ كَيْفَ أَخْذُلُ فِيكُمْ ... وَأَنَا ابْنُكُمْ وَحَلِيفُكُمْ فِي الْعَشْرِ
وَلَقَدْ دَعَانِي غَيْرُكُمْ فَأَبَيْته ... وَخَبّأْتُكُمْ لِنَوَائِبِ الدّهْرِ
وَكَانُوا يَتَحَالَفُونَ فِي الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحَجّةِ قِيَامًا، يَتَمَاسَحُونَ كَمَا يَتَمَاسَحُ [ (2) ] الْبَيّعَانِ [ (3) ] ، وَكَانُوا يَتَوَاعَدُونَ قَبْلَ الْعَشْرِ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ بَاعَ دَارَهُ مِنْ ابْنِ عَلْقَمَةَ الْعَامِرِيّ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ، فَجَعَلَ لَهُ مِائَةَ دِينَارٍ، وَنَجّمَ [ (4) ] عَلَيْهِ ما فضل.
[ (1) ] ذكر ابن إسحاق قصة عدوان أبى سفيان على دار بنى جحش. انظر (السيرة النبوية، ج 2، ص 145) .
[ (2) ] تماسحا: تصافقا. (القاموس المحيط، ج 1، ص 249) .
[ (3) ] البيعان: أى البائع والمشترى. (أساس البلاغة، ص 73) .
[ (4) ] تنجيم الدين: هو أن يقرر عطاؤه فى أوقات معلومة متتابعة، مشاهرة أو مسافاة. (النهاية، ج 4، ص 129) .