ثم الشطرُ الآخرُ وهو مهم جداً أيضاً، لأننا قد ذكرنا أنه لا يمكن أن يخرُجَ جميعُ المسلمينَ إلى الغزوِ، فلا بدَّ من وجودِ من يصونُ البلادَ ومن يقومُ على شؤونِ مَنْ فيها ومن يقومُ بالأعمالِ التي لا يُستغنَى عنها، فلا بدَّ للبَلَدِ من قاضٍ ولا بدَّ للبلدِ من حارسٍ ولا بد للبلدِ ممن يقومُ على شؤونِ النساءِ والأطفاِل، ولأجلِ هذا بَيَّنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن الجميعَ يشتركُ فقال - صلى الله عليه وسلم - " ومن خَلَفَ غازياً في أهلِه بخيرٍ فقد غزا ".
وأنتم تعلمونَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حذَّرَ تحذيراً شديداً من امرأةِ المجاهدِ الغائبِ الذي يخرُجُ في سبيلِ الله أن تُمَسَّ بأذى وحذَّر من ذلك أشدَّ تحذيرٍ.
وقوله (بخير) قيدٌ يشيرٌ به أنه قد يحصُلُ للبعضِ أن يخلُفَ المجاهدَ في أهلِه ولكنه لا يخلُفُهم بخيرٍ، وقد يخونُ هذا المجاهدَ؛ وهذا من أعظمِ الخيانةِ وأعظمِ الذنب. فالذي يخلُفُ المجاهدَ في أهلِه لا بدَّ أن يخلُفَه بخيرٍ، وهذا بابٌ عظيمٌ جداً أنه يُكتَبُ لمن يخلُفُ المجاهدَ في أهله أجرُ المجاهدِ أيضاً كأنه يجاهدُ هو بنفسه.
ومعنى (أن يخلفه في أهله): يقومُ على شؤونهم وينفقُ عليهم وينظُرُ في حاجتِهم ويحميهم ويحوطُهم ويهتَمُّ بأبنائِه كما لو كانوا أبناءً له، فإنه إنْ فعلَ ذلك كان كأنه قد خرجَ هو إلى هذا الجهاد.
ثم ذكرَ حديثاً يُدلل فيه على أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان أولَ من طَبَّقَ ما قالَ، وهذا مصداقق لقولِه تعالى: ... فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أولُ من يلتزِمُ بما يقول. فيذكر أنسٌ - رضي الله عنه - أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يدخُلُ في المدينةِ بيتاً غيرَ بيتِ أمِّ سُلَيم، أي: بيتَ امرأةٍ، وذلك وفاءً منه - صلى الله عليه وسلم - لأخيها الذي قُتِلَ في البعثِ الذي بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقوله (معي) لا يعني أنه قُتل في غزوةٍ كان فيها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولكنه قتل في سريةٍ بعثها النبي - صلى الله عليه وسلم - فاعتبرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك قتلاً معه، فكان من وَفائِه - صلى الله عليه وسلم - وحسنِ عهدِه وإحسانِه أن اعتبرَ هذه المرأةَ كأنها أختٌ له واهتمَّ بها وكان يتعاهدُها وينظرُ في شؤونِها. وبيتُ أمِّ سُلَيم هو نفسه بيتُ أمِّ حرامٍ بنتِ مِلحانَ لأنهما أختانِ، فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كما مرَّ علينا كان يَقيلُ عندَ أمِّ حرامٍ وهو بيتُ أمِّ سُليم
والمقصودُ أن الذي يخلُفُ مجاهداً في أهلِه ليس شرطاً أن يكون ذلك أثناءَ الغزوِ وإنما يدخلُ في ذلك أيضاًَ أن يخلُفَه في أهلِه عندما يُستَشْهَدُ في سبيل الله ويُقتل، فإنه إذا قامَ على شؤونِ أهلِه واهتمَّ بهم كُتِبَ له أجرُه أيضاً بهذا الفعلِ، والله تعالى أعلم.
ونكتفي اليومَ بهذا القدرِ، ونفتح البابَ للأسئلة المتعلقةِ بالجهادِ.