تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في وقتٍ ويرجِعون ثم يخلُفُهم آخرون وهكذا، حتى يجاهدَ الجميعُ في سبيل الله فيقومون بالفرضِ الذي افترضه الله عز وجل عليهم.

إذاً، الجهادُ فرضُ كفايةٍ، بمعنى: أنه فرضٌ على الجميعِ فإذا قام به البعضُ سقط الإثمُ عنهم جميعاً، وإذا لم يقُمْ به هذا البعضُ لَحِقَ الإثمُ الجميعَ. ولكن لا يعني هذا أن يخرجَ أناسٌ معيَّنون ويبقى الآخرون ينتظرون بلا قتالٍ، وإنما يأتيهم الدورُ بطريقةٍ دورية، فكان هناك من يخرجُ بالصيفِ وهناك من يخرج بالشتاءِ، وهو ما يسمى بالصوائفِ والشواتيِ في عهدِ الخلفاء ومن تَِبِعَ منهجَهم.

ثم الآيةُ تتحدثُ عن الجهادِ الذي هو جهادُ الطلَبِ. وأما جهادُ الدفعِ فقد تكلمْنا عنه كثيراً وقلنا إن هذا يلزَمُ كلَّ مسلمٍ يقدرُ على دفعِ الكفارِ؛ يدخل في ذلك الشيخُ الكبيرُ والعبدُ والمرأةُ حتى الصغيرُ إن استطاعَ يدفعُ بقدرِ استطاعتِه وإن لم يكنْ مخاطَباً ويجبُ عليه ذلك.

فحديثُنا عن النفيرِ الذي هو طلبُ العدو.

وأهلُ العلمِ يقولون بفرْضيةِ الجهادِ على الأعيانِ في حالاتٍ معينةٍ؛ منها جهادُ الدفعِ الذي ذكرناه، ومنها أن يُعَيِّنَ الإمامُ أشخاصاً بأعينِهم ليخرُجوا أو يأمرَ الجميعَ بالخروجِ في بلدةٍ معينةٍ أو محلٍة معينة، فهذه من المواضعِ التي يجبُ فيها الجهادُ على الأعيانِ. أيضاً، أُسِرَ جماعةٌ من المسلمين واحتيج إلى تخليصهم فإنه يجب على الأعيانِ حتى يتمَّ تخليصُ الأسرى الذي أُسِروا من المسلمين. أيضاً إذا كان الشخصُ يُحْتاجُ إليه لعينِه كأن يكون هو الوحيدُ صاحبُ الخِبْرَةِ في أمرٍ ما من أمورِ القتالِ فإنه يتعيَّنُ عليه أن يخرجَ ولا يؤدي عنه غيرُه لأنه لا يقومُ مقامَه. كذلك إذا كان المسلمُ في الصف وقتَ القتالِ فإنه يجب عليه الجهادُ ولا يجوزُ له أن يتركَ الصفَّ ويذهبَ ويقولَ إن الجهادَ فرضُ كفايةٍ وذلك لأننا بَيَّنا ما معنى فرضِ الكفايةِ في الجهادِ بالبيانِ الذي ذكرناه أولاً، والله تعالى أعلم.

هنا يقول تعالى في الآية ... وهذه الآياتُ كما هو معلومٌ تتعلقُ بغزوةِ تبوك، أو نزلت في غزوة تبوك، ولأجل هذا جاءت الآياتُ بعدها ... وهذا تعريضٌ بالمنافقين؛ لو كان الذي دُعُوا إليه أمراً من أمورِ الدنيا وعَرَضِها الزائلِ، أو كان سفراً قريباً لا مشقةَ فيه ولا تعبَ لاتَّبَعوكَ وذلك رغبةً في تحصيلِ المغنمِ. ثم قال ... وهي: مشقةُ السفرِ البعيدِ لأن تبوكَ كانت غزوةً ذات مشقةٍ شديدةٍ، ولأجلِ هذا عندما أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه إلى الخروجِ إليها بَيَّنَ لهم الوجهةَ، ولم يكن من عادتِه صلى الله عليه وسلم أن يبينَ إلى أي جهةٍ سوف يتجِهُ وهذا من الحِنْكَةِ السياسية؛ فإن من طبيعةِ الحربِ أن لا يُعلِمَ القائدُ أو الذي يجاهدُ إلى أي جهةٍ سوف يتجهُ حتى يفاجِئَ عدوَّهُ لأنه لو أعلَمَ بذلك ربما خرجت المعلوماتُ وضاعتْ فرصةُ المباغتةِ.

فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرجَ إلى غزوةٍ وَرّى بغيرِها، ولكنه في غزوةِ تبوك أخبرهم للمشقةِ التي في هذه الغزوةِ وبُعْدِ السفرِ، إلى آخرِ الآيات التي تَذْكُرُ أحوالَ المنافقينَ، وكما تعلمون هذه الآيات من سورة التوبة وكانت تسمى الفاضحةَ لأنها فضحتِ المنافقينَ.

دورة الجهاد · الصفحة ٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دورة الجهادص ٦٨