تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يسألونه يريدون منه أن يعطيَهم، حتى من كثرتِهم عليه اضطروه إلى سمرة، يعني: ضاق عليه الطريقُ حتى وصلَ إلى سمرة، (والسمرة) واحدة السَّمُر وهو الشجرُ ذو الشوك ـ نوعٌ من الشجرِ له شوكٌ يكون بالبوادي ـ فلما اضطروه إلى هذه السمرة خطفت رداءه، أي: علِقَ رداءَه - صلى الله عليه وسلم - بأشواكِ هذه الشجرة، فوقف النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: (أعطوني ردائي، لو كان لي عدد هذه العِضاه) والعِضاه: جمع عَضاه، وهي الأشجارُ ذاتُ الشوكِ التي تكون في الصحراءِ، فيقول: لو كان عندي عددُ هذا الشجرِ الكثيرِ الذي يملأ البرية (نعماً) أي: إبلاً ونياقاً عظيمةً وجميلة (لقسمتُه بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً). ولا شكَّ أن هذه الصفاتِ مُنَزَّهٌ عنها - صلى الله عليه وسلم -، والشاهدُ فيها قولُه (ولا جباناً)، لأن الجبنَ صفةٌ رديئةٌ مذمومةٌ يَتَنَزَّهُ عنها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وخيارُ المؤمنين.

وفي ذلك الحثُّ للمؤمنين أن يكونوا في جهادهم وقتالِهم شجعاناً لا يخشَوْنَ في الله لومةَ لائمٍ، ولا يُرْهِبُهُم عدوُّهم، وإنما يقدمون كأنما يريدون الموتَ، فإن من طلبَ الموتَ وُهِبَتْ له الحياةُ.

والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مثالٌ للقائدِ الذي يتقدمُ الصفوفَ لا يكونُ في المؤخِّرةِ يحمي نفسَه بغيره، وإنما يتقدمُ على جنودِه. وهذا درسٌ للمؤمنين جميعاً ولقوادِهم على وجهِ الخصوص؛ أن يكونوا هم المثالَ الذي يُحْتَذَى في الشجاعةِ و أن يكونوا المثالَ الذي يُحتَذى في بذلِ النفسِ في سبيلِ الله - عز وجل -. وكان عليٌّ - رضي الله عنه - يقول: (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا حَمِيَ الوطيسُ كان الناسُ يتقونَ به وإن الشُّجاعَ الذي يُحاذي به عليه الصلاة والسلام).

قال البخاري رحمه الله:

باب ما يُتَعَوَّذُ من الجُبن.

39 ـ حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدثنا أبو عوانةَ، حدثنا عبدُ الملكِ بنُ عُمَيرٍ، سمعتُ عمروَ بنَ ميمونَ الأَوْدِي قال: " كان سعدٌ يُعّلِّمُ بَنِيهِ هؤلاءِ الكلماتِ كما يُعَلِّمُ المعلمُ الغِلمانَ الكتابةَ ويقولُ: إن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتَعَوَّذُ منهنَّ دُبُرَ الصلاةِ: اللهم إني أعوذُ بك من الجبنِ، وأعوذ بك أن أُرَدَّ إلى أرذلِ العُمُرِ، وأعوذ بك من فتنةِ الدنيا، وأعوذ بك من عذابِ القبر، فحدَّثْتُ به مُصعباً فصدَّقَه ".

40 ـ حدثنا مسددٌ، حدثنا معتَمِرٌ قال: سمعتُ أبي قال: سمعتُ أنسَ بنَ مالكٍ - رضي الله عنه - قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: اللهم إني أعوذُ بك من العَجْزِ والكَسَلِ، والجُبنِ والهَرَمِ، وأعوذ بك من فتنةِ المحيا والمماتِ، وأعوذ بك من عذابِ القبرِ ".

هذا البابُ مناسبٌ للبابِ السابقِ، لأن البابَ السابقَ يتكلمُ عن الشجاعةِ والجبنِ، وبَيَّنَ فيه أن المؤمنَ الذي ينبغي له أن يكونَ شُجاعاً، وأن الشجاعةَ صفةُ من صفاتِ المؤمنينَ، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هو

دورة الجهاد · الصفحة ٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دورة الجهادص ٦٢