وقوله هذا لا يعني أنهم لا يريدونَ العودةَ إلى الدنيا فيًقتلون مرةً أخرى، وإنما يقصدُ بذلك أنه ما يسرُّهم أنهم عندنا بدون قتلٍ واستشهادٍ في سبيل الله.
ثم قال (وعيناه تذرفان) أي: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان ينزلُ الدمعُ من عينِهِ من محبته لهم وحزنِه على فراقِهم، وهذا دليلٌ على جوازِ البكاءِ على الميتِ من غير نِياحةٍ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
يقول البخاري رحمه الله:
باب فضلِ من يُصرَعُ في سبيلِ الله فماتَ فهو منهم.
وقولِ الله - عز وجل -:
وَقَعَ: وَجَبَ.
17 ـ حدثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ قال: حدثني الليثُ، حدثنا يحيى عن محمدِ بن يحيى بنِ حبان عن أنسِ بن مالكٍ عن خالتِه أمِّ حرامٍ بنتِ مِلحان قالت: " نام النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يوماً قريباً مني، ثم استيقظ يتبسم، فقلت: ما أضحكك؟ قال: ناسٌ من أمتي عُرِضوا علي يركبون هذا البحرَ الأخضرَ كالملوكِ على الأسِرَّة، قالت: فادع الله أن يجعلَني منهم، فدعا لها. ثم نامَ الثانيةَ ففعل مثلَها، فقالت مثلَ قولها، فأجابها مثلَها، فقالت: ادع الله أن يجعلَني منهم، فقال: أنتِ من الأوَّلِين. فخرجتْ مع زوجِها عبادةَ بنِ الصامتِ غازياً أولَ ما ركِبَ المسلمونَ البحرَ مع معاويةَ، فلما انصرفوا من غزوتِهم قافلينَ فنزلوا الشامَ فقُرِّبت إليها دابةٌ لتركبَها فصرَعَتْها فماتت ".
هذا الباب في فضلِ من يُصرَعُ في سبيل الله فيموت. يعني: الذي يموتُ حَتْفَ أنفِهِ وليسَ عن طريقِ القتل من الكافرين له، فهل هذا يُعتَبر من الشهداءِ أم لا؟ هذا الباب معقودٌ لأجلِ ذلك.
وذكر فيه الإمامُ البخاريُّ رحمه الله هذه الآيةَ التي فيها أن الذي يخرجُ من بيتِهِ مهاجراً إلى الله ورسولِه ثم يُدْرِكُهُ الموتُ فقد وقع أجرُه على الله، أي: وجب. يعني: حَقُّه أن يكتبَ اللهُ له الأجرَ مثلَ إخوانِه الذي هاجروا حقيقةً وتم لهم الهجرةُ، وذلك لأنه خرج قاصداً لذلك.
وهذه الآيةُ كما ذَكَرَ أهلُ التفسيرِ نزلت في رجلٍ أراد أن يخرجَ مهاجراً إلى المدينةِ فمات في الطريقِ وفي بعض الألفاظِ (لدغته حية) فنزلت هذه الآية تدلل على أن له أجرَ المهاجرِ كاملاً متكاملاً.
والمجاهدُ في سبيل الله له نفسُ الأجرِ، فالذي خرج يجاهدُ في سبيل الله يُعتبر قائماً بنوعٍ من الهجرة فإن المهاجرَ من هَجَرَ ما نهى الله عنه، وهذا الخارجُ في سبيلِ الله ما أخرجه من بيته إلا الذي أخرج المهاجرَ من بيته وهو رضوانُ الله - عز وجل - وطلبُ الخيرِ الذي وعد به.
ثم ذكر في هذا الباب حديث أم حرامٍ بنتِ ملحان رضي الله عنها وقد تكلمنا عنها في الدرس السابق.