تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم ذكر في البابِ الآخرِ أمراً آخر يُستَنْبَطُ من هذا الحديثِ، وهو (هل يبعث الطليعةَ وحده)؟ وهذا السؤالُ جوابُه من خلالِ الحديث (نعم يبعث الطليعة وحده)، وإنما أرادَ بذلك التنبيهَ على أنه ليسَ هناك حرجٌ إذا كان هناك سفرٌ أو خروجٌ لحاجةٍ والإنسانُ وحده؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يسافرَ الرجلُ وحدَه ونهى أن يبيتَ الرجلُ وحده، ولكن الطليعةَ مستثنىً من ذلك لأنه في حال الحاجةِ وحالِ الضرورةِ، وذهابُ الضرورةِ وإن كان يُخشى عليه بسببِ أنه وحدَه إلا أنه إن قُتِلَ فهو واحدٌ يُقتَلُ ليس أكثر، فهذا فيه أيضاً حفاظٌ على أرواحِ المؤمنينَ والاكتفاءُ بأقلِّ ما يمكنُ الاكتفاءُ به. كما أن الواحدَ يمكنه أن يتسللَ وأن يهربَ أكثرَ مما لو كانوا عدةَ أشخاصٍ. فهذه الأمورُ تَلحَقُ بهذه المسألة.

هناك فائدةٌ أيضاً تُستَفادُ من هذا الحديث وهي (بَشَرِيَّةُ الصحابةِ) وأن منزلتَهم العاليةَ التي وصلُوا إليها لا تُخرِجُهم من حالِهم البشريةِ؛ فقد وقع في نفوسِهمُ الخوفَ ولم ينتدِبْ أحدٌ إلا الزبيرُ كما ذكرنا، وفي هذا أيضاً تأكيدٌ لما روي أيضاً عن أحدِ الصحابةِ عندما جاءَه أحدُ التابعينَ فقال له: (لو كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بينَ أظهُرِنا لحمَلْناه على أكتافِنا ولما تركناه يمشي على الأرض) فقال له: (مِهْ يا ابنَ أخي، والله لقد حضرَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أقوامٌ كَبَّهُم الله على وجوههم في النار) فمعنى حديثِه: أنك لا تدري هل كنتَ من المؤمنينَ وقتَها أم كنت من المكذبين لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. كذلك فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حثَّنا أن لا نتمنى لقاءَ العدوِّ لأنه لا يدري المسلمُ في حالِ الأزماتِ وما يمُرُّ به من الأحوالِ الصعبةِ الشديدةِ ماذا يكون موقفُه؟ هل يثبُتُ ويبقى على ما هو عليه من وعودٍ وأقوالٍ أم ينكُثُ ويرجِعُ، فنسأل الله - عز وجل - أن يُثَبِّتَنا وإياكم على الحقِ وأن لا نكونَ ممن يقول ما لا يفعل. والله سبحانه وتعالى أعلم.

والإمامُ البخاري في البابين السابقَين كما قلنا تكلم عن الطليعةِ وفضلِه وما يتعلق به من حكمِ بعثِه وحده. ويستفادُ أيضاً من الحديثين أن إرسالَ الطلائعِ والعيونِ من الأمورِ المهمة في الجهاد؛ فهذه من الآدابِ التي تُعتبَر من آدابِ القتال وفنونِ الحرب، وقد ورد ذلك من فعلِ النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث عدة وتكرر منه ذلك - صلى الله عليه وسلم -، وهو من الأخذِ بالأسباب ومن الحنكةِ ومن سياسةِ الحرب الضرورية، فينبغي على المسلمين أن يحرِصوا على مثلِ هذه الآداب ويهتَمّوا بها وينبَروا لها ويعرِفوا فضلَ من يُطَبِّقُ مثلَ هذه الآدابِ في قتاله اقتداءً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. ثم ذكر الإمامُ البخاري رحمه الله بعد ذلك باباً آخرَ متعلقاً بذلك أيضاً، وإن كان لا يقتصِرُ على الطليعةِ، وهو: باب في سفرِ الاثنين مطلقاً، فقد يضطر لإرسالِ رجلين، فقال البخاري رحمه الله:

باب سفرُ الاثنين.

دورة الجهاد · الصفحة ١٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دورة الجهادص ١٠٠