والمشاق ليس كمن اعتمر في الزمان البارد اليسير الخفيف المؤونة، ومن اعتمر بالوسائل المريحة ليس كمن اعتمر بالوسائل الشاقة، ومن اعتمر فقير اليدين لا يجد إلا قليل المال ليس كمن اعتمر .. كل هذا بينته السُّنة، ((سبق درهم مئة درهم)) قالوا: كيف - يا رسول الله - قال: ((رجل لايجد إلا درهماً أنفقه في سبيل الله ورجل غني ثري أنفق مائه درهم من عرض ماله)) قال أعطوا فلان مئة درهم هل الدرهم عند الفقير الذي لا يجد إلا هذا الدرهم مثل المئة درهم عند الغني؟! فإذاً هناك كما قال-تعالى-:} وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا {فالذي يحج ويعتمر حقيقة وله أصل الثواب مع المضاعفة بالتعب والعناء والذي ذكر له أصل الثواب، من هنا لا تشكل المسألة فلا يسوى بين العامل وبين غير العامل ولا يسوي بين من جد واجتهد وبين من لم يكن منه ذلك.
ففي هذا الحديث قال: " حمداً كثيراً ": " كثيراً " صفة للحمد تقتضي أن يكون كثيراً والله أعلم بكثرته الله أعلم يكثرته.
" كثيراً طيباً ": لأن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيب.
" مباركاً فيه ": البركة هي الزيادة والنماء، والشيء المبارك هو الذي زاد خيره والله - عز وجل - جعل الأشياء مباركة وممحوقه البركة-والعياذ بالله-، ولو أن الإنسان أُعطي أموال الدنيا كلها ولم يضع الله له البركة في ماله لم ينفعه ذلك بشيء ولو صب الذهب والفضة في حجره ولم يبارك الله له فإن ذلك لا ينفعه، ولذلك لربما يجد الإنسان أنه يأخذ المال من عشرات الألوف ومئات الألوف ولا يبقى عنده إلا أياماً بل لربما لا يبقى عنده إلا سويعات-والعياذ بالله- ولربما يعطى عشرات الألوف ولربما تكون عنده الآلاف اليسيرة والألف والألفان وعنده المائة والمائاتان ويضع الله فيها البركة فتزداد وتكثر حتى تصير بأضعاف أضعاف هذه البركة تكون في المال وتكون في الولد وتكون في الدين وتكون في الدنيا بركة الدين يلتزم الملتزم فتجده بعد التزامه لا يفتر لسانه عن استغفار الله وتوبته إلى الله ويلتزم الملتزم فتجده بعد التزامه لا يفتر عن بر الوالدين وصلة الرحم والصدقة والإحسان وذكر الله - سبحانه وتعالى - بالأعمال الفاضلة والأعمال الخالصة التي يحبها الله ويرضاها فبورك له في التزامه، فلربما تمر عليه السنة مجتهداً في طاعة الله تعادل عشرات السنين من غيره ممن هو ممحوق البركة في التزامه واستقامته.
وكذلك - أيضاً - تكون في الدين في العلم قد تجد الشخص يحفظ السورة والسورتين والثلاث من كتاب الله فلا يفتر عن تلاوتها دائماً يقرأها وهو قائم وهو قاعد كلما وجد فراغاً جلس يرددها فكم من ملايين الحسنات ينالها ثم إذا وجد أحد لا يعرفها علمه إياها علمه تلك السور وحفّظه إياها وتجده يحرص على بذلها للغير وتعليمها للغير فينال بها مثاقيل الحسنات وتجد الشخص يأخذ أعلى درجات العلم