وليحذر الداعية أن يزكى نفسه أو علمه أو دعوته فالذى يعلم القلوب ويطلع على الغيوب ويعلم السر وأخفى هو العليم الخبير جل وعلا الذى أمرنا بذلك فقال: ﴿ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى﴾
لأن العُجب مدخل خطير من مداخل الكبر والعياذ بالله قد يزل فيه بعض الدعاة ظنَّاً منهم أنه لابد للعالم أو الداعية من هيبة تعلوه ولكن شتان شتان بين الهيبة وبين العُجب والكبر!!
فالمهابة كما يقول العلامة ابن القيم – رحمه الله تعالى – أثر من آثار امتلاء القلب بعظمة الله ومحبته وإجلاله فإذا امتلأ القلب بذلك حل فيه النور ونزلت عليه السكينة، وأُلبس رداء الهيبة فأخذ بمجامع القلوب محبة ومهابة، فحنت إليه الأفئدة وقرت به العيون؛ وأنست به القلوب فكلامه نور ومدخله نور ومخرجه نور وعلمه نور وإن سكت علاه الوقار وإن تكلم أخذ بالقلوب والأسماع وأما الكبر فأثر من آثار العجب والبغى من قلب قد امتلأ بالجهل والظلم، ترحلت منه العبودية ونزل عليه المقت فنظره إلى الناس شزر، ومشية بينهم تبختر، ومعاملته لهم معاملة الاستيثار لا الايثار ولا الإنصاف، ذاهب بنفسه تيهاً، لا يبدأ من لقيه بالسلام، وإن رد عليه رأى أنه قد بالغ فى الإنعام عليه، لا ينطلق لهم وجهه ولا يسعهم خلقه ولا يرى لأحد عليه حقاً ويرى حقوقه على الناس ولا يرى فضلهم عليه ويرى فضله عليهم، ولا يزداد من الله إلا بعداً ولا من الناس إلا صغاراً، وبغضاً اهـ (1)
فليحذر الداعية من استعظام عمله – أياً كان – حتى لا يظن أن عمله أو دعوته جعلت له عند الله موضعاً وأنه قد استوجب بها الجزاء منه جل جلاله فهذا من الهلاك الذى حذر منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى قوله: "ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه" (2)
(1) للإمام ابن القيم نقلاً عن كتاب "غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب" للشيخ محمد السفارينى الحنبلى (2/ 222، 223) طبع مؤسسة قرطبة
(2) رواه الطبرانى فى الأوسط وهو حديث حسن، انظر صحيح الجامع (1/ 583) رقم الحديث (339)