وبدأنا التدريس في مسجد (السويطي) بين المغرب والعشاء، وزاد عدد الحاضرين يوماً بعد يوم حتى كاد المسجد على سعته أن يمتلئ بالمصلين.
وبعد أسبوعين تقريباً حدث أمر شرح صدورنا، وأحسسنا معه بالود والمحبة؛ فقد تقدم إلينا شيخ كبير، وأشار بيده إلى سجادتين مفروشتين خلف الإمام، وقال: هذا مكان صلاتكما؛ فأنتم أهل العلم والفضل، وعلينا أن نكرم العلماء، وكان لهذه اللفتة أثرها الطيب الحميد؛ فقد أحسسنا صفاء قلوب القوم، وزالت العوارض التي كانت تؤثر تأثيراً متعباً؛ فما كانت إلا تصرفاً شخصياً من بعض الجهال لا يعبر عن السلوك العام، ثم زادت الصلة بيننا وبين الناس، وتوثقت، فدعينا إلى شرب القهوة بالعبارة النجدية الحلوة =نبغى نقاهويك يا أستاذ+ وتكرر ذلك، والموعد بعد صلاة العشاء الآخرة وكان معنا في المعهد سكرتير من أهل عنيزة اسمه (عبد الله) فكان يتولى تدوين المواعيد، ويرشدنا إلى منازل، وفي كل ليلة نَجِدُ صاحب المنزل قد دعا أكثر من عشرين شخصاً؛ مبالغة منه في الاحتفاء بنا، ثم يدور الحديث حول مسائل من الدين، والأخلاق، وعادات الناس، وتصير الجلسة ندوة علم وأدب، وحديث نافع، وتعبير عن المحبة والود والأخوة، كما ارتضاها الله لعباده المؤمنين.
وكنا نزور الشيخ بين الحين والحين، ويكاد يكون لقاؤنا معه يوم الجمعة بانتظام نذهب إلى بيته قبل الصلاة بساعات ونجلس معه ثم ننزل معاً عندما يقرب موعد الصلاة.
وذات لقاء قلت له: يا فضيلة الشيخ لماذا لا تستخدم مكبر الصوت (الميكروفون) في الخطبة؛ فإن أكثر الناس لا يسمعون صوتك، ولا يستفيدون مما تلقيه عليهم من المواعظ والأحكام؟
فابتسم الشيخ وكان له بسمة خفيفة جميلة تنم عن الرضا والسرور، وقال: إن مكبر الصوت لم يدخل المساجد في بلاد نجد، ولا أحب أن أكون أول من يستخدمه.