18_ العلم بحكمة الله _عز وجل_: فالإيمان بالقدر على وجه الحقيقة يكشف للإنسان حكمة الله _عز وجل_ فيما يقدره من خير أو شر، فيعلم أن وراء تفكيره، وتخيلاته من هو أعظم وأعلم، وأحكم.
ولهذا كثيراً ما يقع الشيء فنكرهه وهو خير لنا؛ وكثيراً ما نرى الشيء مصلحة ظاهرة فنحبه، ونرغب فيه، ولكن الحكمة لا تقتضيه؛ فالمدبر للإنسان أعلم بمصالحه وعاقبة أمره، كيف وقد قال _سبحانه_: [وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ] البقرة: 216.
ومن أسرار هذا الآية وحِكَمها أنها تقتضي من العبد التفويضَ إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يقضيه عليه؛ لما يرجوه من حسن عاقبته.
ومن أسرارها ألا يقترح على ربه، ولا يسأله ما ليس له به علم، فلعل مضرته فيه وهو لا يعلم؛ فلا يختار على ربه، بل يسأله حسن العاقبة فيما يختاره له، فلا أنفع له من ذلك.
ولهذا من لطف الله بعبده أنه ربما طمحت نفسه لسبب من الأسباب الدنيوية التي يظن أن بها إدراكَ بغيته، فيعلم الله أنها تضره، وتصده عما ينفعه، فيحول بينه وبينها، فيظل العبد كارهاً، ولم يَدْرِ أن الله قد لطف به؛ حيث أبقى له الأمر النافع، وصرف عنه الأمر الضار.
فكم من الناس _على سبيل المثال_ من يندم ويتحسَّرُ إذا فاته موعد إقلاع الطائرة، وما هي إلا مدة يسيرة، ثم يُعْلن عن سقوط الطائرة، ووفاة جميع ركابها.
وكم من الناس من يتبرم ويضيق صدره؛ لفوت محبوب؛ أو نزول مكروب.
وما إن ينكشف الأمر ويستبين سرُّ القدر إلا وتجده جذلاً مسروراً؛ لأن العاقبة كانت حميدة بالنسبة له.
وما أجمل قول من قال:
كم نعمةٍ لا تستقل بشكرها ... لله في طي المكاره كامنه
وقول الآخر:
تجري الأمور على حكم القضاء وفي
طيِّ الحوادث محبوب ومكروه
وربما سرَّني ما كنت أحذره
وربما ساءني ما كنت أرجوه