وربما استشار غيره ممن له دراية وعلم في هذه الشؤون, فأشاروا عليه بأن يأخذ بالأسباب, ويلج البيوت من الأبواب, فيجيبهم بأنه لم يدع سبيلاً إلا سلكه, ولا باباً إلا ولجه ومع ذلك لم يحصل على مراده بزعمه.
ولا يقف الأمر عند مجرد اجترار الأحزان والحسرات، بل قد يترتب على ذلك فوات خيرات كثيرة، وأبواب من البر متنوعة؛ حيث أشغل نفسه، وشتَّتَ قلبه، وأضاع وقته بما لا طائل تحته.
فما الحل في مثل هذه الأحوالِ وغيرِها مما يقاس عليها؟
هل يقف الإنسان واجماً أمامها؟ وهل يسترسل مع أحزانه إزاءها؟
الجواب: لا,والحل بأن يستحضر أنه محسن في عمله, مثاب على قدر احتسابه, وما عليه بعد ذلك إلا أن يستمر في صنيعه, ويمضي في مصالحه؛ فإذا قمت بما يجب عليك, وسلكت سبيل الحكمة في نصحك,وبذلت جهدك ومستطاعك, ثم أعيتك الحيلة في الوصول إلى مرادك [فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ] و [وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ*إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ].
يَرِدُ كثيراً آثارٌ عن السلف الصالح _ رضوان الله عليهم _ ويُروى عنهم كلمات في مناسبات؛ فهم يطلقونها _أحياناً_ عفو الخاطر, وعلى السجية, ومع ذلك تأتي حاملة في طياتها عُمْقاً وعبراً مع اختصارها وقصرها.
وما ذلك إلا أثر من آثار الاتباع الصحيح, وقرب العهد, وحسن التلقي من مشكاة النبوة.
وقلَّ أن تجد كتاباً من كتب السير إلا وقد خلَّد لأولئك السَّراة كلماتٍ خالدةً يتردد صداها إلى يومنا هذا.
ومن الناس من لا يحسن التعامل مع تلك الآثار؛ إذ منهم من يخالها بمنزلة النصوص الشرعية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
ومنهم مَنْ لا يعتدُّ بها, ولا يقدرها قدرها؛ فيفوته خير كثير, وتجارب نافعة.