تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قرأت بعد ذلك كلاماً لابن القيم في كتابه الفوائد ربما يعضد ذلك المعنى، يقول ×: =وقد كتبوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه عن هذه المسألة أيهما أفضل: رجل لم تخطر له الشهوات ولم تمر بباله، أو رجل نازعته إليها نفسه فتركها لله؟ فكتب عمر: إن الذي تشتهي نفسه المعاصي ويتركها لله _عز وجل_ من الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم+.

وهكذا من عَرَف البدع والشرك والباطل وطرقه؛ فأبغضها لله، وحذرها، وحذَّر منها، ودفعها عن نفسه، ولم يدعها تخدش وجه إيمانه، ولا تورثه شبهة، ولا شكاً، بل يزداد بمعرفتها بصيرة في الحق ومحبة له، وكراهة لها، ونفرة عنها _ أفضل ممن لا تخطر بباله، ولا تمرُّ بقلبه؛ فإنه كلما مرَّت بقلبه، وتصوَّرت له ازداد محبة للحق، ومعرفة بقدره وسروراً به؛ فيقوى إيمانه به.

كما أن صاحب خواطر الشهوات والمعاصي كلَّما مرَّت به، فرغب عنها إلى ضدِّها ازداد محبةً لضدِّها ورغبة فيه وطلباً له وحرصاً عليه؛ فما ابتلى الله _سبحانه_ عبدَه المؤمن بمحبة الشهوات والمعاصي، وميل نفسه إليها إلا ليسوقه بها إلى محبة ما هو أفضل منها، وخير له، وأنفع، وأدوم، وليجاهد نفسه على تركها له _ سبحانه _ فتورثه تلك المجاهدةُ الوصولَ إلى المحبوب الأعلى.

فكلما نازعته نفسه إلى تلك الشهوات، واشتدَّت إرادته لها وشوقه إليها _ صرف ذلك الشوق والإرادة والمحبة إلى النوع العالي الدائم؛ فكان طلبه له أشد وحرصه عليه أتم، بخلاف النفس الباردة الخالية من ذلك؛ فإنها وإن كانت طالبة للأعلى لكن بين الطلبين فرق عظيم.

ألا ترى أن من مشى إلى محبوبه على الجمر والشوك أعظم ممن مشى إليه راكباً على النجائب! فليس من آثر محبوبه مع منازعة نفسه كمن آثره مع عدم منازعتها إلى غيره؛ فهو _سبحانه_ يبتلي عبدَه بالشهوات، إما حجاباً له عنه، أو حجاباً له يوصله إلى رضاه وقربه وكرامته+.

هذه الآية في شأن النساء، وإمساكهن بالمعروف، أو تسريحهن بإحسان.

خواطر 30 - 12 - 1428 هـ · الصفحة ٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

خواطر 30 - 12 - 1428 هـص ٧٦