تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبناءً على ما مضى فإن التحري، ولزوم العدل، والسلامة من الهوى من أوجب ما يجب على المتكلم أو الكاتب؛ فلا يليق به أن يؤسس قاعدة عامة يبني عليها حكماً كلياً بسبب خطأ، أو سوء تصرف بدر من أحد أفراد ذلك العموم.

وقد يكون ذلك العموم يحمل قاسماً مشتركاً من ذلك الحكم، ومع ذلك فإنه يحسن التحري إذا أريد الحكم على واحد بعينه؛ فإن الجمع المرادَ ذمُّه قد يكون فيه خطأ أو ظلم، ومع ذلك فإن الخطأ والظلم قد يتفاوت قلة وكثرة.

ولعل من أسباب تلك الظاهرة قِصَر النظر؛ فبعض الناس قد يمر بموقف ما، سواء من أهل بلد أو طائفة، فيجعله ذريعة لتعميم النَّيْل من أهل ذلك البلد أو من تلك الطائفة، وغاب عنه [وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى] وأن [كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ].

يقول العلامة الأستاذ محمد كرد علي × في مذكراته: =وكثيراً ما رجوت بعض المتسرعين في أحكامهم ألا يُجْرُوا نقدهم بصورة عامة، وأن يخصوا بانتقادهم الفرد لا يؤاخذون المجموع بما ارتكبه واحد أو آحاد، وأقول: ليس المعيار في الرجل مذهبه،ولا بلده، ولا جنسيته.

وما المعيار إلا أخلاقه، والأخلاق تختلف من رجلٍ إلى رجل، كما تختلف صور الآدميين+.

كثيراً ما تتوارد خواطر الشعراء حول معنى واحد, ولا غرابة في ذلك خصوصاً إذا كان في معاني المدح أو الذم أو الفخر.

ولو قلبت النظر في كثير من الدواوين الشعرية لرأيت أن المعاني قريبة من بعض, ولكن قد يختلفون في حسن الصياغة.

وقد يكون التوارد من قبيل السرقات الشعرية, وهي فن من فنون الشعر لا يثرب على صاحبه, خصوصاً إذا ألبس المعنى ثوباً جميلاً ملائماً, بل ربما فاق من سبقه كما يذكر في شأن بشار, وسَلْم الخاسر, وذلك عندما قال بشار:

من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتكُ اللهجُ

فأخذ سَلْمٌ هذا المعنى, وصاغه بعبارة أخصر وأجمل, فقال:

من راقب الناس مات هماً ... وفاز باللذة الجسور

خواطر 30 - 12 - 1428 هـ · الصفحة ٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

خواطر 30 - 12 - 1428 هـص ٤٢