تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم شر ع ابن القيم في شرح هذه الدرجة قائلاً: =هذه الدرجة أعلى مما قبلها وأصعب؛ فإن الأولى: تتضمن ترك المقابلة والتغافل, وهذه تتضمن الإحسان إلى من أساء إليك, ومعاملته بضد ما عاملك به؛ فيكون الإحسان والإساءة بينك وبينه خطَّتين, فخطتُك: الإحسان, وخطَّته: الإساءة, وفي مثلها قال القائل:

إذا مَرضنا أتيناكم نعودُكم ... وتُذنِبون فنأتيكم ونَعْتَذِرُ

ومن أراد فَهْم هذه الدرجة كما ينبغي, فلينظر إلى سيرة النبي"مع الناس يَجدْها هذه بعينها, ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سواه, ثم للورثة منها بحسب سِهامهم من التركة.

وما رأيت أحداً قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية _ قدس الله روحه _ وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأَعدائه وخُصومه.

وما رأيته يدعو على أحد منهم قط, وكان يدعو لهم.

وجئتُ يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه, وأشدّهم عداوةً وأَذىً له, فَنَهرني, وتنكَّر لي, واسترجع, ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم, وقال: إني لكم مكانه, ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه ونحو هذا من الكلام, فَسُرُّوا به, ودعوا له, وعظموا هذه الحال منه, فرحمه الله ورضي عنه, وهذا مفهوم.

وأما الاعتذار إلى من يجني عليك فإنه غير مفهوم في بادي الرأي؛ إذ لم يصدر منك جناية توجب اعتذاراً, وغايتك: أنك لا تؤاخذه, فهل تعتذر إليه من ترك المؤاخذة؟

ومعنى هذا: أنك تنزل نفسك منزلة الجاني لا المجني عليه, والجاني خليق بالعذر.

والذي يُشهدك هذا المشهد: أنك تعلم أنه إنما سُلِّط عليك بذنب, كما قال _تعالى_: [وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ] (الشورى:30).

فإذا علمت أنك بدأت بالجناية؛ فانتقم الله منك على يده _ كنت في الحقيقة أولى بالاعتذار.

خواطر 30 - 12 - 1428 هـ · الصفحة ٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

خواطر 30 - 12 - 1428 هـص ٢٧