ولهذا فإنه _عليه الصلاة والسلام_ لم يكن ليتحرج من نقل ما يقوم به من أعمال حتى في داخل منزله؛ فترى _من جراء ذلك_ كثرة الأحاديث التي ترويها أمهات المؤمنين عن النبي ".
ولم يكن ذلك إلا لأن سِرَّه كعلانيته، وظلمةَ ليلِه كضوء نهاره؛ فسيرته معلومة منذ ولادته إلى ساعة وفاته.
ومن أعظم أسرار السيرة النبوية أن الحملات الخاطئة الكاذبة التي تريد النيل من مقام النبوة الأعظم _ تكون سبباً في بعث فضائل النبي " وتجددها في الناس على حد قول أبي تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسانَ حسود
وفضيلة النبي " لم تطوَ، وإنما تتجدد، وتتلألأ كالبدر في سماء صاحية، وكالشمس في رائعة النهار.
قال الله _عز وجل_: [لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15)]. سبأ
قيل في تفسيرها: كان لكل رجل منهم في مسكنه جنتان جنة عن يمين المسكن وجنة عن يساره، فكانوا يتفيؤون ظلالهما في الصباح والمساء، ويجتنون ثمارها من نخيل، وأعناب، وغيرها.
وقيل: وكانت مدينتهم محفوفة عن يمينها وشمالها بغابة من الجنات يصطافونها، ويستثمرونها.
بل قيل: إن السائر لو وضع على رأسه مكتلاً لوجده قد مُلئَ ثماراً مما يسقط من الأشجار التي يسير تحتها.
وكان من تمام نعمتهم أن يسَّرَ الله لهم الأسفار، وعمران الديار، وكانوا إذا خرجوا من مأْرب إلى البلاد الشامية قوافل للتجارة، وبيع الطعام سلكوا طريق تهامة، ثم الحجاز، ثم مشارف الشام، ثم بلاد الشام، فكانوا كلما ساروا مرحلة وجدوا قرية أو بلداً أو داراً للاستراحة وتزودوا؛ فكانوا من أجل ذلك لا يحملون معهم أزواداً إذا خرجوا من مأرب.
وكانوا يسيرون غدواً وعشياً، فيسيرون في الصباح، ثم تعترضهم قرية فيريحون فيها ويَقِيْلون، ويسيرون في المساء، فتعرضهم قرية يبيتون بها.