فماذا ستفعل حينئذٍ؟ ربما تحمل في نفسك عليه، وربما تبادره بالعتاب، وربما تهجره أو تتكدر عليه؛ فهذه هي الخيارات التي يأخذ بها كثير من الناس إذا مرَّت بهم تلك الحال.
ولكن هناك حالة هي أجدى نفعاً، وأطيب عائدة.
ألا وهي أن تدع هذه الحادثة تمر دون أن تتكدر على صاحبك، أو تنسى جميله السابق؛ فتلتمس له العذر، وتدرك أن التقصير وارد، وأنك ربما قصَّرت في حقه.
فإذا أخذت بذلك حفظت ودَّ صاحبك، وأزلت الوحشة من قلبه، وأمكنك الإفادة منه، والإبقاء على محبته.
أما إذا كانت الأخرى _ فربما أضعفت صلتك به، أو خسرته، وخسرت ما يأتيك من خير من قِبله دون فائدة أصلاً؛ وأعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من فرَّط فيمن ظفر به منهم.
ما أحسن أن يفي المرء بما يَعِدُ بِهِ، وأَحْسَنُ من ذلك أن يعجِّل به، وألا يكدره بمطل، أو تأجيل.
وما أجمل أن يعتذر المرء إذا لم يجد ما يُسعف به طالبَ الحاجة، أو لم يكن قادراً، أو مريداً لذلك.
وأقبِح بمن يَعِدُ وهو غير قادر على الوفاء؛ فتلك آفة تعتري نفراً من الناس؛ حيث يعلم من نفسه إذا تقدم إليه طالب حاجة أنه لن يستطيع القيامَ بتلك الحاجة.
ومع ذلك تجده يسوِّف، ويؤجل، ويَعِدُ صاحب الحاجة بالمواعيد المعسولة، ويمنيه بالآمال العراض إما تخلصاً من الإحراج، أو غير ذلك؛ فيبوء منه صاحبه بالخسارة المضاعفة؛ حيث لا يجد عنده بغيته، ولم يخبره بالحقيقة؛ فيجعله يسلك طريقاً أخرى؛ فينطبق على هذا المُخْلِف قول الأول:
إذا ما جئت أحمد مستميحاً ... فلا يغررك منظرُه الأنيقُ
له لطف وليس لديه عُرْفٌ ... كبارقةٍ تروق ولا تُريقُ
فما يخشى العدوُّ له وعيداً ... كما بالوعدِ لا يثق الصديقُ
وبعضهم أحسن حالاً من المُخْلِف، ولكنه مبتلىً بحب تردد الناس إليه؛ حيث تكون حاجة الطالب قريبة منه، وهو يريد إعطاءها إياه، ولكنه لا يرتاح حتى يردد طالب الحاجة مراراً.