كما يدور حول التعامل الأمثل مع كلام الناس؛ إذ الأمر يحتاج إلى شيءٍ من التفصيل والبسط؛ فقد تكون المبالاة بكلام الناس ضرباً من الخور، وضعف الرأي، وضعة النفس، وذلك كحال من يدع الأعمال الجليلة، أو المشروعات النافعة بسبب نقد ظالم، أو كلمة ساخرة، أو جارحة، أو مخذلة.
وقد تكون المبالاة بكلام الناس دليلاً على القوة، وأصالة الرأي، والتجرد عن الهوى، كحال من يسمع نقداً هادفاً، أو تخطئة لعملٍ كان يقوم به، فجعل ذلك في حسبانه، وتقبله بقبول حسن، وتفادى خطأه، ولم يصرَّ على باطله.
وقل مثل ذلك في قلة المبالاة بكلام الناس؛ فقد تكون أثراً من آثار الصفاقة، والقِحة، والبلادة، وذلك كحال من لا يترفع عن المباذل، ولا يتحرج من وضع نفسه في مواضع الريب، ولا يأنف من المجاهرة بالفسوق، ولا يبالي بظلم الآخرين، والاستهانة بهم وما جرى مجرى ذلك، ثم إذا ولغ الناس في عرضه، ولاموه على سوء صنيعه، تمادى في غيه، ومشى في غلوائه غير مبالٍ بما يواجَه به، ولا عابئ بما يقال عنه؛ فذلك مذموم، ممقوت، معدود في جملة السِّفل.
وفي تفسير ابن عطية: =قيل للقمان: أي الناس شر؟ فقال: الذي لا يبالي أن يراه الناس محسناً أو مسيئاً+.
وقد تكون قلة المبالاة بكلام الناس محمودةً، دالةً على عظمةٍ وألمعية.
وذلك كما إذا كان الإنسان يقوم بما تقتضيه الحكمة من استفراغ الجهد، وتحري الصواب، ومداراة الناس، ونحو ذلك ثم ناله ما ناله من الطعن، والقدح، والنقد الظالم، فأعرض عن ذلك كله، ومضى فيما هو بصدده من الأعمال التي ترضي الله، وتنفع الناس، مستشعراً أن كلام الناس لا يضره إلا إذا اشتغل به، مستحضراً بأن النقد الظالم إنما هو اعتراف ضمني بقدرته، وعلوِّ كعبه؛ فذلك دليل كبر النفس، وسعة الصدر، وبعد الهمة، وحسن التدبر للعواقب.