تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو علم بادئ الأمر ما سيلقاه من المشقة والتعب لأبعد عن فكره خيال التأليف، ونأى بنفسه عن مسالك التكليف، مفضلاً منادمة الأحباب، ودعةَ التنعم بمغتسل بارد وشراب.

وقد وجدت كلاماً جميلاً حول هذا المعنى للشيخ محمد بن طاهر الكردي في كتابه (مقام إبراهيم) حيث ذكر في خاتمة كتابه كلمة تدور حول التأليف ومعاناته ولذته، ومما جاء في ذلك الكتاب قوله: =هذا، ولما كنت مشتغلاً بالتصنيف، مخالطاً للعلماء أرباب التأليف يمكنني أن أقول: إنني لم أجد أصعب، ولا أتعب، ولا أشغل للإنسان من تأليف الكتب مهما تنوعت واختلفت.

ولئن كان شيء يُسْرع في ضعف الإنسان وهرمه فذلك الشيء إنما هو الاشتغال بالتأليف وحده، وفي الوقت نفسه تجد المؤلف _ مع وهنه وضعفه _ قوياً في معلوماته، راسخاً في دراساته ومراجعاته؛ فكل شيء ينقص إذا أنفقت منه إلا العلم؛ فكلما أنفقت منه لغيرك بالإفادة زادت معرفتك مهما تكررت منك الإعادة.

فالاشتغال بالتأليف، هو الشغل الذي لا شغل بعده، والعمل الذي ينقطع إليه المرء وحده، تجده يبحث عن مسألة إذا به يعثر على أخرى ولما يكمل الأولى بعد، تراه يحقق في بحث إذا به يصل إلى غيره؛ لتشعّب الكلام، وارتباط بعضه ببعض.

وإنه كثيراً ما تطرأ عليه المسائل، وتنكشف له الدقائق وهو يأكل أو يمشي، أو يريد النوم؛ لذلك يكون المؤلف الخبير بالأحوال لا يخلو عن القلم والورق أنّى سار، وحيثما كان؛ ليقيد رؤوس المسائل التي تطرأ على فكره بغتة، حتى إذا ما رجع إلى حالة الاشتغال قَتَلها بحثاً، وأشبعها درساً.

تجده يبتعد عن الأهل والولد؛ خوفاً من أن يقطع أحد عليه أفكاره، ينفرد عن الناس بنفسه، وقد يصطفي شخصاً من شكله وجنسه، يساعده في البحث والتنقيب، ويبيض له مسوداته بنظام وترتيب.

خواطر 30 - 12 - 1428 هـ · الصفحة ١١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

خواطر 30 - 12 - 1428 هـص ١١٥