تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأذكر أنه قبل وفاته بثلاث سنوات أقرض شخصاً سبعمائة ألف ريال، ثم أرسل إليه يخبره بأنه قد طرحه عنه، فقلت له؛ شفقة عليه، ورغبة في سماع ما عنده: أعظم الله أجر هذا الحساب_أعني حساب سماحة الشيخ الخاص_فالتفت إليَّ وقال: يا ولدي ! لا تهمك الدنيا، أنا بلغت من العمر سبعاً وثمانين، ولم أر من ربي إلا خيراً، الدنيا تذهب وتجيء، وفَرْقٌ بين من يتوفى وعنده مائة مليون، ومن يتوفى وليس لديه شيء؛ فالأول ثقيل الحساب والتبعة، والثاني بعكس ذلك كله.

وما ثناك كلام الناس عن كرم

ومن يسدُّ طريق العارض الهطِلِ

ومن صور زهده×: زهده في المديح والإطراء؛ فكثيراً ما تقرأ عليه بعض الرسائل التي تفيض بالحب، والدعاء والثناء على سماحته؛ فإذا بدأنا بقراءتها قال: اتركوا المقدمة، اقرؤوا المقصود؛ ماذا يريد صاحبها ؟ أنا لا أحب أن أسمع مثل هذا الكلام.

وكثيراً ما يأتي بعض الناس، ويكثر من الثناء على سماحته، ويذكر بعض أوصافه، وهو يتململ ويتغير وجهه، ويقول: الله المستعان، الله يتوب على الجميع، الله يستعملنا وإياكم فيما يرضيه.

ويأتي إلى سماحته بعض الناس ويقول: رأيت فيك رؤيا منامية صالحة_إن شاء الله_.

فيلزم سماحته الصمت، ولا يطلب من الرائي ذكرها، ولكن ذلك الشخص يبدأ بذكرها، وسماحة الشيخ لا تظهر عليه الرغبة في سماعه ا؛ ولكن أدبه يأبى عليه أن يُسْكِتَ المتكلم، فإذا انتهى قال: خير إن شاء الله، والمُعَوَّل على عفو الله.

ولم أسمع منه يوماً من الأيام أنه سأل أحداً عن دخله الوظيفي، أو عن ممتلكاته.

وفي يوم من الأيام جاءه أحد الناس المعروفين لديه، وخاض في أمور الدنيا وقال: يا سماحة الشيخ ! نحن بخير، وعندنا كذا وكذا، وقد اشتريت أرضاً بكذا وكذا، والآن هي تساوي خمسة وأربعين مليون ريال.

فالتفت إليه سماحة الشيخ وقال: مادام أنها بلغت هذا المبلغ فبعها، ماذا تنتظر، واصرفها في وجوه الخير، أو أعطنا إياها نصرفها لك.

جوانب من سيرة ابن باز · الصفحة ٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جوانب من سيرة ابن بازص ٨٤