هذه بعض الأسباب التي تعين على الارتقاء بالمشاعر.
16_ لزوم الإنصاف في الردود، وحسن التعامل مع الخلاف: ذلك أن الردود والخلاف من أعظم مشوشات القلب، ومن أشد ما يذكي أوار الفتنة، ويقضي على روح المحبة والألفة إذا لم تراع الضوابط الشرعية، والآداب المرعية في ذلك الشأن.
والأخذ بأدب الرد، وحسن التلقي والتعامل مع الردود من أعظم ما يحفظ المشاعر، ويبقي على الود.
ولهذا كان حرياً بمن كان أهلاً للرد، واقتضى الأمر أن يرد _ أن يلزم الإنصاف، وحرياً بمن يقف على شيء من ذلك أن يحسن التعامل مع الخلاف والردود.
فيا من يروم المعالي،ويتطلب الإصلاح عليك بلزوم الإنصاف، وتحري العدل.
وإذا لم ينصفك الرجل، فرد عليك الحق بالشمال وباليمين، أو جحد جانباً وهو يراه رأي العين _ فلا تكن قلة إنصافه حاملة لك على أن تقابله بالعناد، فترد عليه حقاً، أو تجحد له فضلاً، واحترس من أن تسري لك من خصومك عدوى هذا الخلق الممقوت، فيلج في نفسك، وينشط له لسانك، أو قلمك، وأنت تحسبه من محاربة الخصوم بمثل سلاحهم.
كلا، لا يحارب الرجل خصومه بمثل الاعتصام بالفضيلة، ولا سيما فضيلة كالإنصاف؛ فهي تدل على نفس مطمئنة، ونظر في العواقب بعيد.
بل يحسن بمن أراد الرد أن ينظر في جدواه، وأن يتمثل الرحمة ويتجنب الظلم والبغي، ومما يعينه على ذلك ما يلي:
أ_ أن يحب المرء لإخوانه ما يحبه لنفسه: فذلك أقرب للتقوى، وأنفى للوحشة والبغضاء، وأدعى للعدل والرحمة، والمودة والقربى؛ =فأعدل السير أن تقيس الناس بنفسك، فلا تأتي إليهم إلاَّ ما ترضى أن يؤتى إليك+ (1).
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : =لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه+(2).
قال الشافعي ×: =ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ+(3).
(1) الأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع ص73.
(2) رواه البخاري (13) ومسلم (45).
(3) صفة الصفوة 2/167 .