ولنا في رسول الله " أسوة حسنة؛ فلقد كان يولي هذا الجانب عنايته فقد جاء في الصحيحين عن عروة عن عائشة _ رضي الله عنها _ أن رجلاً استأذن على النبي " فلما رآه قال: =بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة+.
فلما جلس تطلَّق النبي " في وجهه، وانبسط إليه، فلما انطلق قالت له عائشة: يا رسول الله! حين رأيت الرجل قلت له: كذا وكذا، ثم تطلَّقت في وجهه، وانبسطت إليه؟
قال رسول الله ": =يا عائشةُ! متى عهدتِّني فحَّاشاً؟ إن شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة من تركه الناس؛ اتقاء شره+.
وفي رواية: =من تركه الناس، أووَدَعَهُ الناس؛ اتقاء فحشه+(1).
فلقاء رسول الله " لهذا الرجل المعروف بالبذاء من قبيل المداراة؛ لأنه لم يزد على أن لاقاه بوجه طلق، أو رَفَقَ به في الخطاب.
وقد سبق إلى ذهن عائشة _ رضي الله عنها _ أن الذي بلغ أن يقال فيه: =بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة+ لا يستحق هذا اللقاء، ويجب أن يكون نصيبُه قسوةَ الخطاب، وعبوسَ الجبين.
ولكنَّ نَظَرَ رسولِ الله " أبعدُ مَدَىً، وأناته أطول أمداً؛ فهو يريد تعليم الناس كيف يملكون ما في أنفسهم؛ فلا يَظْهَر إلا في مكان أو زمان يليق إظهاره فيه.
ويريد تعليمهم أدباً من آداب الاجتماع، وهو رِفْقُ الإنسان بمن يقصد إلى زيارته في منزله، ولو كان شرُّه في الناس فاشياً.
على أن إطلاق الجبين لمثل هذا الزائر لا يمنع من إشعاره بطريق سائغ أنك غير راض عما يُشيعُه في الناس من أذىً، ولا يعوقك أن تعالجه بالموعظة الحسنة إلا أن يكون شيطاناً مريداً.
قال ابن الجوزي × مقرراً هذا المعنى: =مما أفادتني تجارب الزمان أنه لا ينبغي لأحد أن يظاهر بالعداوة أحداً ما استطاع؛ لأنه ربما يحتاج إليه مهما كانت منزلته، ولقد احتجت في عمري إلى ملاطفة أقوام ما خطر لي قط وقوعُ الحاجة إلى التلطف بهم+(2).
(1) البخاري (6032) و(6054) و(6131)، ومسلم (2591).
(2) صيد الخاطر لابن الجوزي ص169.