ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار(1)
وكحال من يقول لما حصل زلزال في مصر في عهد أحد السلاطين:
ما زلزلت مصرُ من كيد يراد بها ... لكنها رقصت من عدله طربا(2)
وكذلك ينبغي مراعاة التوازن في المديح؛ لأن من الناس من يزيده المديح إقبالاً وجداً، وفضلاً ونبلاً، ومنهم من يبعث فيه المديح غروراً، وطيشاً، وتيهاً، وعتواً، ونفوراً.
وهذا راجع لحكمة الإنسان، ومعرفته بطبائع النفوس، وربما كان الفصل بينهما رهينَ كلمة مدح مقدرة أو مبالغ فيها.
وبناءاً على ما مضى كله فلماذا لا نأخذ بهذه الطريقة الحكيمة النبيلة؟ لماذا لا نأخذ بها إذا وقفنا أمام الناس لنعظهم؛ فنبدأ بالثناء عليهم ثناءاً متزناً؛ كي نهيئ نفوسهم لقبول ما نقول؛ إذ لا شيء يهز أعطافهم كالثناء عليهم خصوصاً إذا كان من غريب؟.
وما الذي يضيرنا إذا رأينا إنساناً براً بوالديه، واصلاً لأرحامه، متودداً لجيرانه أن نذكره بعظم هذا العمل، وأن نشكره عليه، ونوصيه بالاستمرار على ذلك؟.
وما الذي يمنعنا إذا رأينا من أحد طلابنا جداً ونشاطاً وأدباً أن نشعره بالرضا والفرح، والدعاء؟.
وما الذي يمنعنا إذا رأينا معلماً مخلصاً في عمله، حريصاً على طلابه أن نشد على يده، وأن نشكره على إخلاصه وحرصه؟ بدلاً من تخذيله، وإشعاره بأنه إنسان ساذج يقوم بأكثر مما طلب منه.
وما الذي يضيرنا إذا رأينا خطيباً مصقعاً يهز أعواد المنابر، ويحترم عقول المخاطبين، ويحرص على تحرير خطبه وإلقائها في أثواب ملائمة أن نشكر له صنيعه، ونشعره باستفادتنا منه، وتقديرنا له؟.
وما الذي يضيرنا إذا رأينا أو سمعنا عن طبيب حاذق يتمتع بخلق فاضل، وصبر على مراجعيه، وحرص على سلامتهم وعافيتهم أن نبدي له إعجابنا وشكرنا ودعاءنا؟.
(1) البيت لابن هانئ الأندلسي انظر ديوانه ص146.
(2) البيت لمحمد بن عاصم انظر وفيات الأعيان لابن خلكان 4/103.