وجاء في الصحيحين عن أبي موسى ÷ قال النبي ": =إني لأعرف أصوات رُفْقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أرَ منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم إذا لقي الخيل أو العدو، قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم+(1).
فهذه أمثلة يسيرة من السنة، والمقام لا يحتمل الإطالة في ذلك، وإنما هي إشارات يتبين من خلالها أن الثناء الصادق سنة متبعة، وأن له آثاره الحميدة.
ولهذا تتابع السلف الصالح على هذا الخلق النبيل، فلو نظرنا في سير أكابرهم لرأينا ذلك واضحاً؛ فهذا ابن مسعود ÷يقول: =كان معاذ بن جبل أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يكن من المشركين+ تشبيهاً له بإبراهيم الخليل _ عليه السلام _(2).
فهذا الثناء من ابن مسعود ÷ دليل على إنصافه، وزكاء نفسه؛ فمع أنه من أكابر علماء الصحابة، ومع أنه أسبق إسلاماً وأكبر سناً من معاذ إلا أنه لم يجد في نفسه غضاضة من الثناء عليه، وإنزاله منزلته اللائقة به.
وهكذا شأن الصحابة _ رضي الله عنهم _ وبمثل هذا الخلق النبيل سادوا، وارتفعوا فكانوا خير أمة أخرجت للناس، وكانوا أكثرهم اتفاقاً ووئاماً، وأقلهم خلافاً وتفرقاً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ×: =ومن استقرأ أحوال العالم في جميع الفرق يتبين له أنه لم يكن قط طائفة أعظم اتفاقاً على الهدى والرشد، وأبعد عن الفتنة والتفرق والاختلاف من أصحاب رسول الله " الذين هم خير الخلق بشهادة الله لهم بذلك؛ إذ يقول _ تعالى _: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ] آل عمران: 110+(3).
(1) البخاري (4232) ومسلم (2499).
(2) انظر هذا الأثر في مجمع الزوائد للهيثمي 9/314، وانظر مجموع الفتاوى لابن تيمية 10/654.
(3) منهاج السنة النبوية لابن تيمية 6/34.