تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما أنه لا بدَّ من احتمال مرارة الدواء، وشدة الصبر عما يشتهي من أجل صلاح البدن، فكذلك لا بدَّ من احتمال مرارة المجاهدة، والصبر على مداومة مرض القلب، بل هو أولى، فإن ألم مرض البدن يخلص منه بالموت، وألم مرض القلب يؤلمه قبل الموت وبعد الموت.

وكل عضو في الإنسان خلقه الله لفعل خاص، فعلامة مرضه أن يتعذر منه ذلك الفعل، فمرض العين تعذر الإبصار .. ومرض الأذن تعذر السماع، ومرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خلقه الله من أجله وهو الإيمان والعلم، والحكمة والمعرفة، وحب الله تعالى وتعظيمه، وعبادته وشكره، وإيثار ذلك على كل شهوة.

ولو أن الإنسان عرف كل شيء ولم يعرف الله سبحانه فكأنه لم يعرف شيئًا.

وعلامة المعرفة: الحب، فمن عرف الله أحبه.

وعلامة المحبة: أن لا يؤثر عليه شيئًا من المحبوبات، فمن آثر عليه شيئًا من المحبوبات فقلبه مريض، كما أن المعدة التي تؤثر أكل الطين على أكل الخبز مريضة.

وأمراض القلوب خفية لا يعلمها أكثر الناس فلذلك يغفلون عنها، وإذا عرف الإنسان مرض قلبه، صعب عليه الصبر على مرارة دوائه؛ لأن دواءه مخالفة الهوى.

وإن وجد الصبر لم يجد طبيبًا حاذقًا يعالجه، والأطباء هم العلماء بالله وأسمائه وصفاته ودينه وشرعه وأكثرهم مرضى، والطبيب إذا كان مريضًا .. فلما يلتفت إلى علاجه وإلى غيره.

فلما قل العلماء الربانيون صار الداء عضالًا، واندرس هذا العلم، وأنكر أكثر الناس طب القلوب، ومرضها بالكلية، وأقبل الناس على أعمال ظاهرها عبادات، وباطنها عادات، لا تزيد إيمانًا، ولا تحجز عن محرم، فهذا علامة أصل المرض.

موسوعة فقه القلوب · الجزء ٣ · الصفحة ٢٦٣٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

موسوعة فقه القلوبج ٣ · ص ٢٦٣٠