وقعة تعد من حوامد الأعمار، فبذَّ الأبطال المناعير (1)، وتقدم الصفوف مجلياً ومحرضاً، والحرب تقذف تياراً بتيار، حتى لقي ربه من أقرب طريق.
ولا علمنا فيهم مثالاً في شجاعة الرأي العام أكمل من الإمام أحمد بن تيمية ـ وعصراهما متقاربان ـ فقد شنَّها حرباً شعواء على البدع والضلالات، أقوى ما كانت رسوخاً وشموخاً، وأكثر اتباعاً وشيوخاً، يظاهرها الولاة الفاسقون، ويؤازرها العلماء المتساهلون المتأولون.
وقد ادخر الله لهذا العصر الذي تأذن فجر الإسلام فيه بالانبلاج الواحد الذي بذَّ الجميع في شجاعة الرأي والفكر، وقوة العلم والعقل، وجرأة اللسان والقلب، وهو محمد عبده (2)، فهزَّ النفوس الجامدة، وحرّك العقول الراكدة، وترك دوياً ملأ سمع الزمان، وسيكون له شأن.
(1) من نعر نعيراً: صاح وصوّت. انظر القاموس ص 624.
(2) محمد عبده: مفتي الديار المصرية، من آل التركماني، ولد عام 1266، كان له فضائل في مقاومة التصوف الخرافي والتقليد المقيت، كما أن له معايب في اتجاهه إلى المذهب العقلاني الذي يعارض النصوص الصحيحة الصريحة بآراء العقول وأهوائها، وقد كان له تساهل مع المستعمر، وتأثر بالنموذج الغربي، مما سهل لمن تبعه وقلده التشبه بالغربيين وتقليدهم في كثير من الأمور التي تخالف الشرع الحنيف. توفي في الإسكندرية عام 1323هـ. انظر الأعلام 6/ 252.