وهذا الفقه منها -رضي الله عنها- لم يكن قاصراً على ما تسمعه من نصوص قولية؛ بل يتجاوز ذلك إلى أن ترقب أفعاله - صلى الله عليه وسلم - ثم تسأل عما أشكل عليها.
فعنها -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر فاستأذن فأذن له وهو على هيئته، ثم عمر بمثل هذه القصة، ثم علي، ثم ناس من أصحابه والنبي - صلى الله عليه وسلم - على هيئته، ثم جاء عثمان فاستأذن فأذن له فأخذ ثوبه فتجلله، فتحدثوا ثم خرجوا، قلت: يا رسول الله، جاء أبو بكر وعمر وعلي وسائر أصحابك وأنت على هيئتك، فلما جاء عثمان تجللت بثوبك؟ فقال:« ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة؟»(1).
ولقد كان هذا الفقه لديها -رضي الله عنها- يعطيها زاداً يدفعها إلى أن تصحح ما تراه من أفعال أصحابه - صلى الله عليه وسلم - يخالف نصاً ربما لم يبلغهم، أو كان لهم عذر آخر في مخالفته.
فعن نافع قال: لقي ابن عمر -رضي الله عنهما- ابن صائد في بعض طرق المدينة فقال له قولاً أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت له:رحمك الله ما أردت من ابن صائد؟ أما علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:«إنما يخرج من غضبة يغضبها»؟.
وتحدثنا صهيرة بنت جعفر عن شيء من علم صفية أم المؤمنين –رضي الله عنها- فعنها قالت: حججنا ثم انصرفنا إلى المدينة فدخلنا على صفية بنت حيي -رضي الله عنها- فوافقنا عندها نسوة من أهل الكوفة فقلن لها: إن شئتن سألتن وسمعنا، وإن شئتن سألنا وسمعتن، فقلنا: سلن فسألن عن أشياء من أمر المرأة وزوجها ومن أمر المحيض، ثم سألن عن نبيذ الجر فقالت: أكثرتم علينا ياأهل العراق في نبيذ الجر، وما على إحداكن أن تطبخ تمرها ثم تدلكه ثم تصفيه فتجعله في سقائها وتوكئ عليه، فإذا طاب شربت وسقت زوجها»(2).
(1) رواه أحمد (25927).
(2) رواه أحمد (26324)