وأيقنت أيضاً أن سالك هذا الطريق إن فاتته الأولى فسيدرك الأخرى، فأولئك الذين أدركوا من شهوات الدنيا ما أدركوا، وأصابوا ما أصابوا، ولم يأتهم مايعكر عليهم، أولئك تنتظرهم نهاية أليمة تنسيهم في لحظة واحدة لذة الشهوات والنعيم الزائل.
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :«يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال: يا ابن آدم، هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط»(1).
فما قيمة الدنيا بأسرها حين مصيرها النسيان أمام غمسة واحدة في العذاب، فكيف بما وراء ذلك؟ فعجباً لأولئك الذين تقودهم شهواتهم عبر الطرق والأزقة المظلمة الموحشة إلى نهاية مفزعة في الدنيا والآخرة، عجباً لهم إذ يشترون شقاء الدارين بنزوات طائشة سرعان ماينساها صاحبها لتبقى حسرة وندامة.
مصارع العشاق
وتأملت في حال أولئك الذين سلكوا طريق العشق والغرام كيف آلوا إلى ما آلوا إليه، رأيتهم ورثيت لحالهم وحق لي ذلك.
إنهم أسرى وعبيد لهذه الشهوة المحرمة تأمرهم فيطيعون، وتنهاهم فينتهون، ولسكرهم في لذتهم لايدركون ماهم فيه، وهاهو أحدهم لايجد شبهاً لنفسه وحاله إلا بأهل الجنون، فرحم الله امرءاً عرف قدر نفسه.
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم العشق أعظم مما بالمجانين
العشق لايستفيق الدهر صاحبه ... وإنما يصرع المجنون في الحين
إن أحدهم يقدم مايملك فداء لمن يعشقه ويحبه، بل قد ينحر دينه قرباناً بين يدي معشوقه، وهاهو أحدهم يعبر عن ذلك:
رهبان مدين والذين عهدتهم يبكون من حذر العذاب قعوداً
لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خروا لعزة ركعاً وسجوداً
(1) رواه مسلم (2807)