وإن شئت أن تنظر إلى البطولة في عزها .. والعزة في بطولتها ..
فارجع إلى خلافة عمر بن الخطاب .. ثم اخرج مع الجيش الغازي إلى الشام .. سبعةُ آلاف بطل يتقدمهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ..
مضوا يسيرون على الحصى .. منهم الراكب على فرس ومنهم الراكب على بعير .. ومنهم من يمشي على قدميه ..
فلما وصلوا إلى ديار الفرس .. فإذا الفرس ينتظرونهم بجيش أكثر من ثمانين ألفاً .. معهم أحدث آلات القتال ..
فلما نزل سعد بجيشه .. أرسل بعض أصحابه إلى ملكهم العظيم كسرى يدعونه إلى الإسلام ..
فلما دخلوا عليه .. أجلسهم بين يديه .. وكان متكبراً مغتراً بملكه ..
فجعل ينظر إليهم بطَرف عينه .. ويشير إلى ملابسهم .. ويستهزئ بهم .. ويقول: ما تسمون هذا؟ ويشير إلى أحذيتهم .. فيقولون: نعال .. فيقول: وهذا؟ فيقولون: رداء .. ثم جعل يشير إلى عصيهم .. ويقول: وهذا .. فيقولون: سياط ..
ثم اتكأ وقال: ما الذي أقدمكم هذه البلاد؟ أظننتم أنا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا؟
إني لا أعلم في الأرض أمةً كانت أشقى .. ولا أقل عدداً .. ولا أسوأ ذات بينٍ .. منكم .. قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم ..
فإن كان الجوع دعاكم .. فرضنا لكم قوتاً وكسوناكم وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم ..
سكت القوم والتفت بعضهم إلى بعض ..
عندها تكلم البطل .. قام المغيرة بن شعبة .. فقال: أيها الملك .. إنك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالماً ..
فأما ما ذكرت من سوء الحال فما كان أحد أسوأَ حالاً منا ..
وأما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع .. كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات .. ونرى ذلك طعامَنا ..
وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض .. ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم ..
ديننا أن يقتل بعضنا بعضاً ..
وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حيةٌ كراهية أن تأكل من طعامه ..
حتى بعث الله إلينا رجلاً فدعانا إلى الله .. فنشهد أنه جاء بالحق من عند الحق ..
فنحن ندعوك إلى دينه .. فاختر إن شئت:
الجزيةَ وأنت صاغر .. وإن شئت فالسيف .. أو تسلمُ فتنجي نفسك ..
فعضب كسرى .. وقال: ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أني مرسل إليه رستمَ حتى يدفنَه وجندَه في خندق القادسية ..
فلما تواجه الجيشان بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالمٍ يسأله ..
فبعث إليه ربعي بن عامر ..
فما وصل ربعي إلى إيوان رستم ..
جلس رستم على سرير من ذهب .. ولبس التاج ..
وأمر فزينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير ..
وأظهروا اليواقيتَ واللآلئَ الثمينة .. والزينةَ العظيمة ..
ثم أَذن لربعي ..