تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مكثت بعد العملية في غيبوبة تامة لمدة خمس ساعات .. ثم أصابتني جلطة في الرجل اليسرى .. فحملوني سريعاً إلى غرفة العمليات وفتحوا صدري وعالجوا الجلطة .. ثم أعادوني إلى غرفة الـ (إنْ عاشَ) ..

استقرّت حالتي أربع ساعات ثم أُصبت بنزيف شديد في الرئة .. !! .. حملوني سريعاً إلى غرفة العمليات وفتحوا صدري مرة أخرى وعالجوا النزيف .. ثم أعادوني إلى غرفة الـ (إنْ عاشَ) ..

ضاق الطبيب بأمري ذرعاً .. أمراض متتابعة .. حالة متقلبة .. مفاجآت لا آخر لها ..

استقرّت حالتي أربعاً وعشرين ساعة .. أحس الطبيب بشيء من الانتعاش والسرور .. وفجأة بدأت درجة حرارة جسدي ترتفع بشكل مخيف .. أجرى الطبيب فحصاً سريعاً عليَّ .. فاكتشف أن العظم الذي استخرج الورم من تحته قد أصابه التهاب شديد .. !!

استدعى الطبيب فريق العمليات .. ثم حملوني كالجنازة .. وألقوني على سرير في غرفة العمليات ..

بدأت أنظر إليهم .. لا أملك من أمري شيئاً ..

رفعت بصري إلى السماء .. بكيت .. وأخذت أردد متضرعاً ..

رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين .. ثم رفعت بصري إلى السماء وقلت:

يا أرحم الراحمين .. إن كانت هذه عقوبة .. فأسألك الرحمة والمغفرة .. وإن كانت بلاء فارزقني الصبر على البلاء وعظم لي الأجر والجزاء ..

ثم ذكرت هادم اللذات .. والله لقد عظمت كربتي .. وذهبت قوتي .. وغداً يصبح التراب فراشي ..

عكري محدود .. ونَفَسي معدود .. وجسمي عما قريب يأكله الدود ..

آه إذا زلت يوم القيامة القدم .. وارتفع البكاء وطال الندم ..

ويلي إذا قدمت على من يحاسبني على الصغير والكبير ..

يوم تزل بالعصاة الأقدام .. وتكثر الآهات والآلام .. وتنقضي اللذات كأنها أحلام ..

ثم بكيت .. نعم بكيت .. وتمنيت البقاء في الدنيا .. لا لأجل التمتع بها .. وإنما لأصلح علاقتي بربي جل جلاله ..

وفجأة .. أقبل الطبيب إليَّ .. وأمر بتخديري تخديراً عامّاً .. ثم انتزع فروة الرأس التي تغطي العظم .. وأخرج العظم ووضعه جانباً .. ثم أعاد الجلد فوق الدماغ من غير عظم!! .. وبعد ساعات ..

أفقت من إغمائي .. تحسست رأسي فإذا هو ليّن .. أين العظم؟! .. سألت الطبيب: أين بقية رأسي؟!! فقال لي بكل برود: عظمك يبقى عندنا لتعقيمه .. وبعد ستة أشهر تعالَ إلينا لنعيده مكانه!! ..

مكثت في أمريكا شهراً واحداً ثم رجعت إلى الرياض .. وهاأنذا أنتظر انتهاء الأشهر الستة لأستعيد بقية رأسي!! ..

وقد كنت في غفلة عن حياتي .. منغمساً في أمر معاشي ..

ناسياً الموت والبلى .. حريصاً على الحياة الدنيا ..

لأما اليوم فقد ولدت من جديد ..

ومضت الأيام .. وشُفي من الشلل واستطاع المشي ..

وبعد سبعة أشهر جئته زائراً فإذا وجهه متهلل مسرور ..

وناولني بطاقة يدعوني فيها إلى زواجه ..

وأعرفه اليوم من أحرص الناس على فعل الخير .. والدلالة عليه ..

والدعوة إليه .. والمساعدة في طباعة الكتب وتوزيعها ..

بل وفي الإحسان إلى الضعفاء .. ونجدة الفقراء ..

إلى غير ذلك من وجوه الخير ..

ورُبَّ محنة في طيها منحة ..

* * * * * * * * *

التائبون .. هم من أحب الخلق إلى الله ..

ذكريات تائب · الصفحة ١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ذكريات تائبص ١١