تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وانتهت هذه الفتنة بفوز معاوية وتضعضع أمر علي وتفرق جماعته، وذلك بخديعة عمرو، وسلامة قلب أبي موسى الذي كان يظن أن المسلمين ولا سيما أصحاب رسول الله لا يشغلون إلى الخديعة والغدر؛ ولذلك رأى أن يفر بدينه ونفسه إلى مكة كارها لكل ما يرى ويسمع.

أما الإمام علي فإنه حين بلغه ما جرى، خطب الناس فقال: «الحمد لله، وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، أما بعد: فإن معصية الناصح الشفيق المجرب تورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وهذه الحكومة بأمري ، ونخلت لكم رأيي لو يطاع لقصير رأي، ولكنكم أبيتم إلا ما أردتم، فكنت وإياكم كما قال أخو هوازن:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى

فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

ألا إن الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم الكتاب وراء ظهورهما، وارتأيا الرأي من قبل أنفسهما، فأماتا ما أحيا القرآن، وأحييا ما أمات القرآن، ثم اختانا في حكمهما، فكلاهما لا يرشد ولا يسدد، فبريء الله منهما ورسوله، وصالح المؤمنين، فاستعدوا للجهاد وتأهبوا للسير.»

ثم كتب إلى أهل البصرة يدعوهم إلى نصرته، فجاءه منهم جمع كبير، ولم يشخص إليه ابن عباس هذه المرة، بل اكتفى بأن أرسل الجند، وأراد الإمام عليه السلام أن يسير إلى الشام، ولكن جاء خبر أقض مضجعه، وهو أن الخوارج تجمعوا بجموع كبيرة في النهروان، فكتب إليهم ينبئهم بأن الحكمين انتهيا إلى خلاف، وأنه يدعوهم لنصرته في حرب أهل الشام، فأبوا عليه وأغلظوا في القول لرسوله، فصبر عليهم وقال: لعلهم يثوبون إلى الرشاد والهدى والصواب، ولكن الأخبار وصلت إليه بأنهم أخذوا يعيثون في الأرض الفساد، ويقتلون الأبرياء والصالحين والنساء، فعزم على قتالهم، وسار نحو النهروان.

وهكذا انتهى حرب صفين على هذا النحو المخزي الفاجع، الذي فرق كلمة المسلمين وشتت شمل العرب. (3) حرب النهروان

لما وصل الإمام عليه السلام إلى النهروان - وهي كورة واسعة واقعة بين محل واسط وبغداد - كتب إليهم يوصيهم بالدخول في طاعته، وأن يسلموا إليه قتلة عبد الله بن خباب بن الأرت الذي قتلوه شهيدا بريئا، فأجابوه بأننا كلنا قتلته، فأخذ عليه السلام يردد رسله إليهم يعظونهم تارة ويخوفونهم تارة أخرى، فترك قوم من الخوارج إخوانهم ورجعوا إلى الكوفة، كما التحق نفر منهم بجيش الإمام، ولكن الكثرة الكاثرة منهم ظلت على عنادها بقيادة عبد الله بن وهب الراسبي ذي الثفنات، وكان عددها نحوا من ثلاثة آلاف مقاتل، فقرر عليه السلام ألا يقاتلهم حتى يبدءوه بالقتال، ورأى الخوارج أن الإمام مصر على قتالهم، فاستبسلوا وصاح صائحهم «هل من رائح إلى الجنة؟» فتبعوه وصاحوا: «نحن الرواح إلى الجنة .» وشدوا شدة واحدة على جيش الإمام فاضطر إلى أن يقاتلهم، ولكنهم كانوا أعنف من جند الإمام في حملتهم، فاستطاعوا أن يفرقوا الجيش العلوي قسمين، ولكن الجيش ما لبث أن حمل عليهم حملة قوية حتى قضى على الخوارج كلهم وفيهم رئيسهم ذو الثفنات.

وهكذا قضى الإمام على جميع الخوارج إلا من اندس منهم إلى الكوفة أو القرى المجاورة.

وقد ظن الإمام أن الحرب قد انتهت، وأن الأمور قد استقامت، وأن العراق قد خضع فلم يبق إلا الشام، فليجهز له من يقضي على معاوية وأصحابه، فأخذ يدعوهم إلى أن يهيئوا أنفسهم للذهاب إلى الشام، ولكنه فوجئ بأمر لم يحسب له حسبانا، وهو أن جموع قبائل الخوارج الذين قتلوا يوم النهروان قد تجمعت للانتقام من قتلة أبنائهم وإخوانهم وأصدقائهم، وأن كثيرا من جنوده يتسللون إلى عشائرهم وقبائلهم ومدنهم رافضين مساعدته والقتال معه حتى اضطر إلى أن يعود إلى الكوفة ويدعو الناس من جديد إلى قتال أهل الشام ويخطبهم، فلا تتجاوز خطبه آذانهم، فلا يتحركون إلا حركات اصطناعية وهم يؤثرون الهدوء والسكينة على الحروب والأسفار، حتى ضاق بهم يوما فخطبهم بقوله: أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة قلوبهم وأهواؤهم، ما عزت دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، كلامكم يوهي الصم الصلاب، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم، إذا دعوتكم إلى الجهاد قلتم: كيت وكيت، وذيت وذيت، أعاليل بأباطيل، وسألتموني التأخير فعل ذي الدين المطول، لا يدفع الضيم الذليل، ولا يدرك الحق إلا بالجد والعزم واستشعار الصبر، أي دار بعد داركم تمنعون؟ ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب، أصبحت لا أطمع في نصركم، ولا أصدق قولكم، فرق الله بيني وبينكم، وأبدلني بكم من هو خير لي منكم، أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا، وسيفا قاطعا، وأثرة يتخذها الظالم فيكم سنة، فيفرق جماعتكم ويبكي عيونكم، ويدخل الفقر بيوتكم، وتتمنون عن قليل أنكم رأيتموني فنصرتموني، فستعلمون حق ما أقول، ولا يبعد الله إلا من ظلم.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٩٨