18
فأرسل سعد جماعة من الأشراف العقلاء منهم النعمان بن مقرن، وقيس بن زرارة، والأشعث بن قيس، وعاصم بن عمرو، وفرات بن حيان، وعمرو بن معديكرب، والمغيرة بن شعبة يدعون رستم، فلما وصلوا المدائن ودخلوا على «يزدجرد» سألهم عما جاء بهم، ودعاهم إلى غزو الفرس، فقال النعمان بن مقرن: «إن الله رحمنا، فأرسل إلينا رسولا يأمرنا بالخير وينهانا عن الشر، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة، فلم يدع قبيلة إلا قاربه منها فرقة وتباعد عنه منها فرقة، ثم أمر أن نبتدئ بمن خالفه من العرب، فبدأنا، فدخلوا معه على وجهين: مكره عليه فاغتبط، وطائع فازداد، فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، ثم أمر أن نبتدئ بمن جاورنا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين حسن الحسن، وقبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر أهون من آخر شر منه الجزية، فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمنا على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، وإن بذلتم الجزاء قبلنا منكم ومنعناكم، وإلا قاتلناكم.» فقال يزدجرد: «إني لا أعلم أمة في الأرض كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم؛ فقد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفونا أمركم، ولا تطمعوا أن تقوموا لفارس، فإن كان غرور لحقكم فلا يغركم منا، وإن كان الجهد فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم.» فقام قيس بن زرارة، فقال: «أما ما ذكرت من سوء الحال، فكما وصفت وأشد، ثم ذكر شيئا من عيش العرب ورحمة الله لهم بإرسال النبي
صلى الله عليه وسلم
كما قال النعمان، ثم قال ... اختر إما الجزية وأنت صاغر، أو السيف، وإلا فنج نفسك بالإسلام.» فقال يزدجرد: «لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم عندي.»
ثم استدعى بوقر من تراب، وقال لجنده: احملوه على ظهر أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن، فقام عاصم بن عمرو فقال: أنا أشرفهم، وأخذ التراب فحمله وخرج إلى راحلته فركبها، ولما وصل إلى سعد قال له: أبشر، فوالله قد أعطانا الله إقليد ملكهم، ثم إن رستم خرج بجيشه الهائل الذي قيل إنه بلغ مائة ألف أو يزيدون من «ساباط»، فلما بلغ «كوثى» لقيه رجل من العرب، فقال له رستم: ما جاء بكم؟ وماذا تطلبون منا؟ قال: جئنا نطلب موعود الله، أرضكم وأبناءكم إن أبيتم أن تسلموا، قال رستم: فإن قتلتم قبل ذلك؟ قال: من قتل منا دخل الجنة، ومن بقي أنجزه الله وعده، فنحن على يقين، فقال رستم: قد وضعنا إذا في أيديكم، قال: ويحك يا رستم! إن أعمالكم وضعتكم فأسلمكم الله بها، فلا يغرنك ما ترى حولك، فإنك لست تجادل الإنس، إنما تجادل القضاء والقدر، فاستشاط وأمر فضربت عنقه، وخرج رستم من «كوثى» حتى نزل «برس»، فأخذ جنده يغصبون أموال الناس، ويقعون على النساء، ويشربون الخمور، حتى ضج الناس واشتكوا إلى رستم، فخطب جنده وقال لهم فيما قال: «والله لقد صدق العرب، والله ما أسلمنا إلا أعمالنا والله للعرب في هؤلاء وهم لهم ولنا حرب أحسن سيرة منكم، إن الله كان ينصركم على العدو ويمكن لكم في البلاد بحسن السيرة وكف الظلم والوفاء بالعهود والإحسان، فأما إذا تحولتم عن ذلك لهذه الأعمال، فلا أرى الله إلا مغيرا ما بكم، وما أنا بآمن من أن ينزع الله سلطانه منكم.» ثم بعث الرجال فأتوه من اشتكي منه فضرب أعناقهم، ثم سار حتى نزل حيال «النجف» قرب «الخورنق»، ودعا أهل «الحيرة» فأوعدهم وهددهم، فقال ابن بقيلة أميرها: لا تجمع علينا اثنتين أن تعجز نصرتنا وتلومنا على الدفع عن أنفسنا وبلادنا، فسكت.
ثم إن سعدا بعث عمرو بن معد يكرب الزبيدي وطليحة بن خويلد الأسدي يستكشفان خبر الجيش مع عشرة رجال، فلم يسيروا طويلا حتى رأوا العدو منتشرا على الطفوف والبقاع، فرجعوا إلا طليحة، فإنه ظل ماشيا حتى دخل بين العدو وعلم خبره، ورجع إلى سعد، فأخبر خبر القوم وأحوالهم، ثم إن رستم سار بجيوشه من أرض «الحيرة» حتى نزل «القادسية» عند «العتيق»، وهو جسر القادسية، وليس بينهم وبين المسلمين إلا النهر، وكان مع الفرس ثلاثة وثلاثون فيلا: ثمانية عشر فيلا مع رستم، وخمسة عشر فيلا مع الجالينوس، منها فيل سابور الأبيض.