تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما اختلف المؤرخون في الفتح وكيفيته وشرائطه اختلفوا في وقته، فذهب بعضهم إلى أن دمشق فتحت في أواخر سنة 13ه، وقال آخرون: بل إنها فتحت في محرم سنة 14ه، وذهب بعضهم إلى أن ذلك كان في رجب سنة 14ه، وأن الحصار دام ستة أشهر، وقيل: بل أربعة أشهر، وقيل: بل سبعين يوما.

10

والذي نراه أن المدينة قد فتحت صلحا من جانب، وأن بعض القادة قد عقد الصلح معه بطريقها، ولكننا لا نستطيع أن نسمي القائد الرومي الذي تولى الدفاع عن المدينة، كما لا نستطيع أن نسمي القائد العربي الذي عقد الصلح لتضارب الأقوال في ذلك، وعدم وجود الأدلة الكافية التي ترجح قولا على قول، كما نرى أن جزءا من المدينة قد أخذ حربا بدليل أمر قسمة الكنيسة الكبرى «الكاتدرائية» بين المسلمين وبين أهل المدينة؛ فقد أجمع مؤرخو المسلمين على ذلك بالرغم من معارضة بعض المستشرقين في هذا، ولكن لا حجة لهم، وإن شرائط التسليم التي كتبها خالد (أو أبو عبيدة) لأهل دمشق تؤيد ما قلناه، وإليك نص الكتاب الذي كتبه أبو عبيدة على لسان أهل دمشق بمناسبة عقد الصلح نقلا عن ابن عساكر: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لأبي عبيدة بن الجراح ممن أقام بدمشق وأرضها وأرض الشام من الأعاجم، إنك حين قدمت بلادنا سألناك الأمان على أنفسنا وأهل ملتنا، وإنا اشترطنا لك على أنفسنا ألا نحدث في مدينة دمشق ولا فيما حولها كنيسة ولا ديرا ولا قلاية ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما تهدم من كنائسنا ولا شيئا مما كان في خطط المسلمين، ولا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها في الليل والنهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وأبناء السبيل، ولا نؤوي فيها ولا في منازلنا جاسوسا، ولا نكتم على من غش المسلمين، وعلى ألا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيا في جوف كنائسنا، ولا نظهر الصليب عليها، ولا نرفع أصواتنا في صلاتنا وقراءتنا في كنائسنا، ولا نخرج صليبنا ولا كتابنا، ولا نخرج باعوثا ولا شعانين، ولا نرفع أصواتنا بموتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، ولا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور، ولا نظهر شركا في نادي المسلمين، ولا نرغب مسلما في ديننا، ولا ندعو إليه أحدا، وألا نتخذ شيئا من الرقيق الذين جرت عليه سهام المسلمين، ولا نمنع أحدا من قرابتنا إن أراد الدخول في الإسلام، وأن نلزم ديننا حيثما كنا، ولا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نتسمى بأسمائهم، ونجز مقادم رءوسنا، ونفرق نواصينا، ونشد الزنانير على أوساطنا، ولا ينقش في خواتمنا بالعربية، ولا نركب السروج، ولا نتخذ شيئا من السلاح، ولا نجعله في بيوتنا، ولا نتقلد السيوف، وأن نوقر المسلمين في مجالسهم، ونرشدهم الطريق، ونقوم لهم من المجالس إذا أرادوها، ولا نطلع عليهم في منازلهم، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نشارك أحدا من المسلمين إلا أن يكون للمسلم أمر التجارة، وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل من أوسط ما نجد، ونطعمه فيها ثلاثة أيام، وعلينا ألا نشتم مسلما، ومن ضرب مسلما فقد خلع عهده.

ضمنا بذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكننا، وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما اشترطنا لك وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا، وقد حل لك منا ما حل من أهل المعاندة والشقاق، على ذلك أعطينا الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا، فأقرونا في بلادكم التي ورثكم الله إياها، شهد الله على ما شرطنا على أنفسنا، وكفى بالله شهيدا.»

11

وبعد أن تم عقد الصلح وكتابة عهده أخذ المسلمون يرتبون أمورهم لمقابلة الجيش البيزنطي الذي تجمع في جنوبي سورية عند بحيرة الحولة بقيادة تيودوروس أخي هرقل، أما عدد هذا الجيش فقد اختلفت الروايات فيه بين المائتي ألف جندي والمائة ألف، والخمسين ألفا، والثلاثين ألفا،

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٤٥