تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام، وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فكان مصلاه بين الركنين، الركن الأسود، والركن اليماني، فقلت حين رأيته: والله لو أني استمعت من محمد الليلة حتى أستمع ما يقول، فقلت: لئن دنوت أسمع منه لأروعنه، فجئت من قبل الحجر فدخلت من تحت ثيابها، فجعلت أمشي رويدا ورسول الله قائم يصلي يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة، فلما سمعت القرآن رق له قلبي فبكيت، ودخلني الإسلام، فلم أزل قائما في مكاني ذلك حتى قضى رسول الله صلاته ثم انصرف.

وبعد؛ فإن هاتين الروايتين في سبب إسلام عمر هما أجمع الروايات وأقربها إلى المنطق والصواب، وهما - كما نظن - يبينان الأسباب الرئيسية التي حدت بعمر إلى اعتناق الدين الجديد، وهناك روايات أخرى لا تختلف في جوهرها عنهما إلا أنها تزيد أو تنقص في التفصيلات، والأخبار - وأكبر ظننا أن ذلك كله راجع إلى خبر واحد وقصة واحدة - بدأت باستماع عمر للرسول وهو يتلو القرآن ويصلي في الكعبة، وانتهت بذهابه إلى بيت أخته، ثم انتهت بإعلانه إسلامه في دار الأرقم بن أبي الأرقم.

ولا ريب عندنا في أن العامل الحقيقي في سبب إسلامه هو تأثره الشديد بالقرآن، وبما تلي عليه من آياته المعجزة الباهرة، ولا غرو فقد كان عمر من أفصح العرب وأكثرهم علما بالقول البليغ؛ ولذلك لم يتمالك حين استمع إلى ما استمع من آي الذكر الحكيم إلا أن يسلس قياده ويركع أمام بلاغة القرآن، وكيف لا يركع لآي الذكر المجيد ويطرب لها، وهو يطرب لقول حكيم الشعراء زهير بن أبي سلمى حين يردد قوله:

فإن الحق مقطعه ثلاث

يمين أو نفار أو جلاء

ثم يقول: ما أحسن ما قسم! وإنه لشاعر لا يعاظل بين القوافي، ولا يتبع حوشي الكلام. وروي عنه أنه ربما قضى الليلة وهو ينشد شعره حتى يبرق الفجر، فيقول لجليسه: الآن اقرأ. وروى الأصمعي: أن عمر ما قطع أمرا إلا تمثل فيه ببيت من الشعر. ولما قدم وفد غطفان عليه سألهم: من الذي يقول:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة

وليس وراء الله للمرء مذهب

فقالوا: نابغة بني ذبيان. فسألهم: من الذي يقول:

أتيتك عاريا خلقا ثيابي

على وجل تظن بي الظنون

فألفيت الأمانة لم تخنها

كذلك كان نوح لا يخون

فقالوا: النابغة. فقال: هو أشعر شعرائكم.

هذا هو عمر الذواقة للشعر، النقادة للأدب، العارف بأسرار العربية ودقائق الحكمة، فحري به أن يركع للقرآن ويؤمن به حين يسمعه.

وقد كان دخول عمر في الإسلام سببا من أسباب عزة المسلمين، لما كان له من الجاه والنفوذ والسمعة الطيبة بين قومه. قال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، وقال: كان إسلام عمر فتحا، وهجرته نصرا، وإمارته رحمة، ولقد رأيتنا ولم نستطع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا، وقال أيضا: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعا إلى الله علانية. وقال علي: لما أسلم عمر واعتز الإسلام والمسلمون به طلب إلى الرسول أن يظهر الدعوة، وألا يحفل بقلة المسلمين وكثرة المشركين ما دام المؤمنون على الحق والمشركون على الباطل. ويأبى الله إلا أن ينصر قلة المؤمنين ويذل كثرة المشركين، وقد قبل الرسول فكرة عمر، فلاقى المسلمون من جراء ذلك بعض العنت والإيذاء من فجار قريش، ولكنه كان أمرا لا بد منه، وما من دعوة حق ظهرت إلا وأوذي أصحابها وفتنوا عن دينهم، فالواجب يقضي على المسلمين أن يضحوا وأن يتلقوا من العذاب والشدة ما تلقاه أمثالهم من رجال الدعوات والأديان السابقة من الحواريين وأنصار الأنبياء والمرسلين، وأصحاب العقائد والمصلحين، وليكن عمر وإخوانه من المسلمين الأولين أول من يتلقى الأذى في سبيل الدعوة الجديدة، وقد فعلوا ذلك وتلقوا ما تلقوا بقلب ثابت، وجأش لا يخفق إلا خوفا من الله وحده، وتحملوا في سبيل ذلك من ضروب العسف ألوانا وهم يواصلون العمل ليل نهار لنشر دين الإسلام ومحاربة أعدائه وإعلاء كلمته وحماية رسوله، حتى إذا رأوا أن قوة الشرك قد طغت ، وبراثن الضلال قد قويت، ولم يعد للمسلمين إلا الهرب بدينهم والهجرة عن أوطانهم، فهاجروا من مكة إلى أرض الله الواسعة، ولكن عمر أبى أن يهاجر، فضاق المشركون به ذرعا، وعزموا على قتله، ولكن العاص بن وائل والد عمرو حماه منهم وأنذر من يصيبه بسوء.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٣٩