قال الطبري (في تاريخه، 10: 19): «ولما رأى الأمين ذلك قال: «وددت أن الله قتل الفريقين وأراح الناس منهم، فما منهم إلا عدو ممن معنا وممن علينا، أما هؤلاء فيريدون مالي، وأما أولئك فيريدون نفسي.» ثم إن طاهرا حمل حملة قوية قاتل فيها بنفسه، فدخل المدينة قسرا، وأمر مناديه فنادى بالأمان لمن لزم منزله، ثم قصد المدينة المدورة، مدينة أبي جعفر، فأحاط بها وبقصر زبيدة وقصر الخلد، وكان محمد الأمين وأمه زبيدة وولده في مدينة أبي جعفر، فتحصن بها حتى فقد زاده وماءه، فاستشار من بقي معه من رجاله فيما يفعل، فأشار عليه بعضهم أن يطلب الأمان من هرثمة بن أعين، فرضي وكتب إلى هرثمة بذلك، فأجابه هذا إلى طلبه، ولما علم طاهر بذلك أبى إلا أن يكون الاستسلام إليه، فرفض الأمين واتفق هو وقواده على أن يخرج إلى هرثمة، وأن يدفن إلى طاهر الخاتم والقضيب والبردة، ثم علم طاهر أنهم يمكرون به، فاستعد للأمر وكمن حول القصر جنوده، فلما خرج الأمين متخفيا إلى حيث كانت حراقة هرثمة تنتظره في النهر، فركبها ولم تكد تسير به إلا قليلا حتى خرج عليه أصحاب طاهر فرموا الحراقة بالسهام والحجارة حتى غرقوها، وغرق الأمين وهرثمة، وسبح الأمين وتمكن من الهرب والالتجاء إلى دار في بغداد.
ولكن جماعة طاهر من الخراسانيين دخلوا عليه وبيدهم السيوف، فلما رآهم وقف في وجههم وقال: «أنا ابن عم رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أنا ابن هارون أنا أخو المأمون، الله الله في دمي.» فلم يفده ذلك كله، وتقدم إليه واحد منهم واسمه خمارويه غلام قريش الدنداني مولى طاهر، فضربه بالسيف فأصاب مقدم رأسه، ثم هجم الآخرون فذبحوه ذبحا من قفاه، وأخذوا رأسه إلى طاهر، فنصبه على باب الأنبار، ثم رفعه وبعث به إلى المأمون مع البردة والقضيب والخاتم، مع محمد بن الحسن بن مصعب، وكتب إليه كتابا يقول فيه: «أما بعد؛ فالحمد لله المتعالي ذي العزة والجلال والملك والسلطان، كان فيما قدر الله فأحكم، ودبر فأبرم انتكاث المخلوع ببيعته، وإنقاضه بعهده وارتكاسه في فتنته وقضاؤه عليه القتل بما كسبت يداه، وقد كتب إلى أمير المؤمنين في إحاطة جند الله بالمدينة والخلد، وأخذهم بأفواهها وطرقها ومسالكها ...» ثم سرد كيف تم له الاستيلاء على المدينة كلها وإرباضها، وكيف أن هرثمة بن أعين أراد استئمان الأمين، ولكن طاهرا لم يوافقه على ذلك خوفا من المكيدة والفشل وفساد الأمر، ففرح المأمون بذلك وشكر له سعيه وجهده.»
5 (4) معنى الفتنة وأسبابها ونتائجها
كان لهذه الفتنة التي مزقت وشائج الرحم بين الأخوين عوامل متعددة يمكن إجمالها فيما يلي: (1)
إذا رجعنا إلى نصوص العهد الذي كان قد كتبه الرشيد لأولاده الثلاثة من بعده، نجده عملا غير طبيعي؛ لأن استقلال المأمون بخراسان والولايات الشرقية استقلالا تاما يخوله حق التمتع بخيرات تلك البلاد والسيطرة على أحوالها، يجعله يفكر في الانفصال عن سلطان الخليفة في بغداد، ثم إن حصر سلطان الخليفة في بقعة محددة بجنوب العراق والشام وشبه الجزيرة العربية ومصر - مع ما ينبغي أن يكون للخلافة من سلطان وقوة وعزة - يجعله يطمع في فرض سيطرته على أقاليم أخرى ليست تحت تصرفه؛ لأنه هو «الخليفة الشرعي» صاحب السلطان «الأكمل» على كل أجزاء الدولة الإسلامية، فكيف لا يستطيع أن يسمي قائدا في منطقه أو يحول عاملا من عماله؟ (2)
فشل الفرس في غايتهم التي ساعدوا العباسيين من أجلها لقوة الخلفاء العباسيين الأولين، فانتهزوا هذه الفتنة بين الأخوين وخصوصا المأمون ابن أختهم؛ لأن أمه فارسية، يقول الجهشياري (في كتاب الوزراء والكتاب، ص266): «إن الفضل بن سهل شجع المأمون على الوقوف في وجه أخيه؛ لأنه نازل في أخواله وبيعته في عنقهم، أما الأمين فإن جماعته كانوا من الهاشميين والعرب بصورة عامة مع بعض العناصر الفارسية التي ما كانت تعمل معه إلا لمنافع شخصية.» (3)