تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم انتهبت جماعته بيت المال وأعلنوا ثورتهم وتوجه الحسين وجماعته إلى مكة وأعلنت الثورة في الحجاز كله على بني العباس.

فلما بلغت أخبار هذه الفتنة مسامع الهادي ولى محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس قيادة جيش كثيف بعث به لمحاربة الحسين، فتلاقى الجيشان عند «فخ» قرب مكة ، وانتهت المعركة بمقتل الحسين وعدد كبير من العلويين، وأفلت من الموت اثنان كان لهما شأن كبير في التاريخ الإسلامي؛ «أولهما» إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، أخو محمد ذي النفس الزكية، ومؤسس دولة الأدارسة في المغرب الأقصى، و«الثاني» أخوه يحيى بن عبد الله الذي ذهب إلى بلاد الديلم وكانت له أحوال وأخبار، وسنأتي عليها حين كلامنا عن أيام الرشيد.

وأما خلاصة أخباره مع الزنادقة فهي أن أباه كان أوصاه بتتبعهم والقضاء عليهم، ولذلك سار سيرة أبيه في الفتك بهم وتحريق كتبهم، وبخاصة المانوية منهم، وقد قتل جماعة من المانوية؛ منهم يرذان بن بازان الكاتب الأديب الذي رووا عنه أنه بينما كان في الحج ورأى الناس يهرولون فقال: ما أشبههم إلا ببقرة تدوس في البيدر، فقال فيه العلاء بن الحداد الأعجمي أبياتا وجهها إلى الهادي وفيها قوله:

أيا أمين الله في خلقه

ووارث الكعبة والمنبر

ماذا ترى في رجل كافر

يشبه الكعبة بالبيدر

ويجعل الناس إذا ما سعوا

حمرا تدوس البر بالدوسر

فلما سمعها المهدي وتأكد من قوله أمر بقتله.

ويروي الطبري في تاريخه أن المهدي قال يوما لابنه الهادي، وقد قدم إليه زنديق فاستتابه فأبى، فأمر بصلبه وقال لابنه: يا بني إذا صار هذا الأمر إليك فتجرد لهذه العصابة، فإنها تدعو الناس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش والزهد في الدنيا والعمل للآخرة، ثم تخرجها إلى تحريم اللحم ومس الماء، وترك قتل الهوام تحرجا وتحوبا، ثم تخرجها من هذه إلى عبادة اثنين؛ «أحدهما» النور و«الثاني» الظلمة، ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات والاغتسال بالبول وسرقة الأطفال من الطرق، تنقذهم من ضلالة الظلم إلى هداية النور، فارفع فيها الخشب وجرد فيها السيف وتقرب بأمرهم إلى الله لا شريك له، فإني رأيت جدك العباس في المنام قلدني بسيفين، وأمرني بقتل «الاثنين»، وقد نفذ الهادي وصية أبيه، ففتك بعدد كبير من الزنادقة والملاحدة، وأمر عماله في الأقاليم بتتبعهم وتحريق كتبهم والقضاء على حركتهم. (2) الأحوال الإدارية في عهده

كان الهادي فتى جريئا يحب أن لا يقطع صلته بشعبه، ويحرص على أن يظهر لهم في كل مناسبة ويطلع على أحوالهم ويدبر أمورهم بنفسه، وكان يعتقد أن بعد الخليفة عن مسرح الإدارة مخل بالدولة.

فقد رووا أنه قال للفضل بن ربيع الذي ولاه حجابته بعد أبيه: «لا تحجب عني الناس، فإن ذلك يزيل عني البركة، ولا تلق إلي أمرا إذا كشفته أصبته باطلا، فإن ذلك يوقع بالملك ويضر بالرعية.»

وقال مرة لصالح بن علي: ائذن للناس بالجفلى لا النقرى،

1

فكانت الأبواب تفتح في عهده فيدخل الناس كلهم على بكرة أبيهم، فلا يزال ينظر في المظالم حتى يدركه الليل، وكما كان الهادي يحب أن لا يقطع صلته بالناس كذلك كان يكره من الناس أن يتداخلوا في أمور دولته وإدارة أحوالها، سواء أكان ذلك المتداخل أخاه أو وزيره أو حاجبه أو أمه.

والمؤرخون يذكرون أن أمه الخيزران كانت في عهد أبيه قد تسلطت على شئون الدولة، تعمل ما تريد، وكان المهدي يسكت عنها لحبه إياها واحترامه لها وتطلبه رضاها، فلما ولي الهادي واستمرت على سيرتها لم يعجبه ذلك، فقد روى الطبري وابن الطقطقي وابن الأثير: أن الخيزران كانت متسلطة في دولة المهدي، تأمر وتنهى وتشفع وتبرم وتنقض، والمواكب تروح وتغدو إلى بابها، فلما ولي الهادي - وكان شديد الغيرة - كره ذلك وقال لها يوما: يا أماه، ما هذه المواكب التي يبلغني أنها تغدو وتروح إلى بابك، أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك؟ والله، وإلا أنا نفي من قرابة رسول الله، لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قوادي وخاصتي لأضربن عنقه ولأقبضن ماله.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٣١