ومن تلك المظاهر التنظيمية عنايته بأمور الدولة المالية فقد رأينا أنه منع المصادرات، ورد من كان صادرهم أبوه وعني بتنظيم أحوال الخراج والجبايات، ولا غرو فإنه كان ينتقي وزراءه كما سنرى من الماليين الثقات الأمناء العدول، كأبي عبد الله بن يسار الذي يقول عنه الجهشياري: «كان يضبط أمور المهدي ويشير عليه بالاقتصاد وحفظ الأموال.» ولكنه لما استوزر بعده يعقوب بن داود اختل التوازن المالي بعض الشيء؛ لأن يعقوب كان كريما مسرفا متلافا، مما جعل الخليفة يتخلى عنه لتفريطه في أموال الدولة، ولم يكن المهدي يقسو على رعيته في جمع الأموال ولا في استصفاء الضرائب، يقول صاحب تاريخ الفخري: «كان مقدما في صناعته، فاخترع أمورا؛ منها أنه نقل الخراج إلى المقاسمة، وكان السلطان يأخذ عن الغلات خراجا مقررا ولا يقاسم.»
2
وهذا القول، على الرغم من أنه يثبت شهرة المهدي بالعدل وعدم القسوة على الرعية في جمع الضرائب، هو قول خاطئ، فقد رأينا أن الذي سن المقاسمة ورتب أمور الخراج هو أبوه المنصور، وإنما سار هو في ذلك على سنن أبيه، ولعل صاحب تاريخ الفخري يريد أن يقول إن المهدي هو الذي عمم نظام المقاسمة في أرض المملكة الإسلامية بعد أن كان هذا النظام محصورا أيام أبيه في السواد فقط، وإنه كان رحيما في توزيعه.
ويقول الجهشياري: «إن المهدي كتب برفع العذاب عن أهل الخراج .»
3
وهذا يدلنا على رأفته وعلى عدم إقراره للطرق العنيفة التي كانت متبعة في جمع الخراج قبله.
4
ومن تلك المظاهر أن الدواوين قد اتسعت أيامه في عددها وتنظيمها وأعمالها، فإنه أمر بترتيبها أحسن ترتيب، وفي عهده أحدثت دواوين الأزمة لأول مرة، وهي دواوين صغيرة يشرف أصحابها على كافة دواوين الدولة ورقابة تنظيمها، يقول الطبري: «أول من عمل ديوان الزمام هو عمر بن بزيع في خلافة المهدي، وذلك أنه لما جمعت له الدواوين تفكر فإذا هو لا يضبطها إلا بزمام يكون له على كل ديوان، فاتخذ دواوين الأزمة وولى كل ديوان رجلا، وكان ذلك سنة 162ه.»
5
وهذه الدواوين فيما أرى هي أشبه «بالمكتب الخاص» في الوزارات هذه الأيام، وهي مكاتب تسجل فيها رسائل كل ديوان وأرقامها وخلاصتها، كما تسجل الأجوبة الخاصة بكل معاملة منها تنظيما للرقابة والضبط، وهذا النوع من الترتيب البالغ المنظم.
ومن تلك المظاهر التنظيمية الجديدة ما ذكروه من أنه لأول مرة جعل يوم الخميس يوم عطلة للموظفين وكتاب الدواوين؛ ليستريحوا فيه من أعمالهم ويقضوا شئونهم الخصوصية، وقد استمر هذا الأمر إلى عصر المعتصم.
6 (3) الوزارة والوزراء في عهده
كما عني المهدي بأمور الدولة الإدارية، عني بالوزارة؛ لأنها الرأس المشرف على الإدارة العامة، وفي عهده صار للوزارة شأن عظيم لم يكن لها من قبل في عهد عمه أو أبيه؛ لأنهما كانا يعتمدان على نفسيهما في كل شيء، أما هو فقد عهد إلى وزيره بتدبير الأمور كلها، ولعل السبب في ذلك هو أنه كان يثق بأبي عبيد الله معاوية بن يسار تمام الثقة فسلمه كافة أموره.
وكان أبو عبيد الله من كبار الرجال وأكثرهم عقلا وعلما وإخلاصا، فقام بالأمر خير قيام، قال عنه صاحب التاريخ الفخري: «هو من موالي الأشعريين، كان كاتب المهدي ونائبه قبل الخلافة ... وكان المنصور قد عزم على أن يستوزره، لكنه آثر به ابنه المهدي، فكان غالبا على أمور المهدي لا يعصي له قولا، وكان المنصور لا يزال يوصيه فيه ويأمره بامتثال ما يشير به، فلما مات المنصور وجلس المهدي على سرير الخلافة فوض إليه تدبير المملكة وسلم إليه الدواوين، وكان مقدما في صناعته ...»
7
وظل أبو عبيد الله مستوليا على مكانته حتى سعى الساعون فأوقعوا بينه وبين الخليفة، فقد رأوا أن الخليفة شديد الإنكار على الزنادقة مستقصيا لهم متتبعا لأخبارهم، لا يرحمهم ولا يغفر لهم، وقد رأى الربيع الحاجب الذي كان يطمح في مركز أبي عبيد الله أن خير وسيلة يستطيع أن يفسد الجو بها بين الخليفة وأبي عبيد الله هي في أن يلقي في أذن الخليفة أن ابنا لأبي عبيد الله هو زنديق مارق، وأنه يحمي الزنادقة، فصادفت كلمة الربيع هوى من نفس الخليفة، فأمر أن يمسك بابن أبي عبيد الله ويحضر إلى مجلسه، فلما حضر سأله الخليفة عن شيء من القرآن فلم يعرف، فقال لأبيه: ألم تخبرني أن ابنك يحفظ القرآن؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، ولكن فارقني مذ مدة فنسيه، فقال له: قم فتقرب إلى الله بدمه، فقام أبو عبيد الله فعثر ووقع وارتعد، ثم أمر الخليفة غيره بضرب عنق الغلام، وساءت الحالة بين الخليفة ووزيره منذ ذلك الحين، حتى عزله وولى موضعه أبا عبد الله يعقوب بن داود بمشاورة الربيع الحاجب، وكان عاملا فاضلا إلا أنه كان لا يتحرج من اللهو، وكان يعقوب علوي الهوى زيديا فسعى خصومه بذلك بينه وبين الخليفة، وأغروا بشار بن برد عليه فهجاه بقوله: