تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

22

فقواها وبنى فيها القلاع، وجدد بناء مدينة «كمخ» و«المحمدية» و«باب واق»، وأنزل فيها المقاتلة وأقطعهم الأراضي وكثر أموالها وذخيرتها.

23

ولما رأى أن شمال إفريقية بقعة تعج فيها الثورات والحركات على يد الخوارج والبرابر، بعث بيزيد بن حاتم المهلبي سنة 154ه في جيش كبير قوامه 50 ألف مقاتل فمهد البلاد ودخل القيروان، وحاول استعادة ملك الأندلس ولكنه لم يفلح، ويقال إنه راسل ملك الفرنج الميروفنجيين في سنة 765م الملك ببن القصير وبعث إليه وفدا، فأجابه هذا بإرسال وفد مثله، وعملا على توطيد العلاقات بينهما، ولكن معلوماتنا قليلة عن مدى نجاح هذه الرحلة وما أنتجته.

24 (1-8) الاستعانة بالعلماء والفقهاء على تقوية كيان الدولة الجديدة

استعان المنصور بالعلماء والفقهاء على تقوية أركان دولته، وقد كانوا أيام بني أمية بعيدين عن دواوين الدولة إلا قليلا، منصرفين إلى بحوثهم ودراساتهم، فلما جاء بنو العباس قربوهم وأفادوا منهم، ومن هؤلاء الإمام الأعظم أبو حنيفة والإمام مالك والإمام ابن أبي ليلى وغيرهم مما سنفصله فيما بعد. (2) خاتمة عهده

كان المنصور كما رأينا ملكا قديرا وحازما في الإدارة والسياسة وتنظيم شئون المال، بعيدا عن الإسراف موصوفا بالتقتير، ولكنه كان يجود حيث الجود محمود، قال المسعودي: «وكان يعطي الجزيل والخطير ما كان عطاؤه حزما، ويمنع الحقير اليسير ما كان عطاؤه تضييعا.»

25

وقد رأينا أنه لما مات وأحصوا ما في بيت المال وجدوا فيه ستمائة ألف ألف درهم وأربعة عشر ألف ألف دينار، وكان يقول: «من قل ماله قل رجاله، ومن قل رجاله قوي عليه عدوه، ومن قوي عليه عدوه اتضع ملكه، ومن اتضع ملكه استبيح حماه.»

26

وكان لا يسرف في عطاء الشعراء، كما كان يراقب تصرفات أولاده المالية، وحركات عماله الإدارية.

والحق أن المنصور كان أعظم خلفاء العباسيين إدارة وحكمة وعقلا وبأسا ويقظة، وكان يهتم بمراقبة العمال بنفسه، والتنقيب عن أحوال الناس ودخائل أمورهم، ويعنى بالأمن وبمحافظة السبل ومنع الفاسد، قالوا: إنه إذا كان استيقظ في اليوم ابتدأه بالصلاة وقراءة القرآن، ثم يخرج إلى الإيوان فيطلع على رسائل الأقاليم وأحوالها إلى وقت الظهر، فإذا صلى الظهر دخل قصره واستراح قليلا، ثم رجع إلى مطالعة رسائل عماله والمكاتبة إليهم بما يجب عليهم عمله إلى وقت العصر، فإذا صلى صلاته جلس لأهل بيته إلا من أحب أن يسامره، فإذا صلى العشاء الآخرة نظر فيما ورد إليه من كتب الثغور والأطراف والآفاق، ثم شاور سماره فيما أراد من ذلك، فإذا مضى ثلث الليل قام إلى فراشه وانصرف سماره، فإذا مضى الثلث الثاني قام من فراشه فأسبغ وضوءه ووقف في محرابه يصلي حتى مطلع الفجر، ثم يخرج للناس ... وهكذا دواليك.

وكما كان المنصور كان رجال بلاطه من أهل الدين والحزم والخلق والجد.

وفي سنة 158 أراد أن يحج ويزور قبر النبي الكريم لكنه توجع في الطريق قرب الكوفة، فلما صار إلى بئر ميمون اشتد عليه الوجع فبقي هناك وأدركته المنية في فجر ليلة السبت سادس ذي الحجة ، ولم يحضره عند وفاته إلا حاجبه ووزيره الربيع، فأوصاه بما أراد، وكتم الربيع ذلك حتى الصبح فاستدعى من معه من أهل البيت وأخذ بيعتهم للمهدي، ثم لعيسى بن موسى من بعده، ثم دعا بالقادة فبايعوه، واتفق رأي أهل البيت على أن يتوجه العباس بن محمد بن علي ومحمد بن سليمان بن علي إلى مكة لمبايعة المهدي وأخذ بيعة أهل الحجاز، وهكذا كان، ودفن المنصور في ثنية المعلاة، وكان له من الولد ثمانية من الذكور وبنت، وأكبرهم محمد المهدي.

الفصل الثالث

| المهدي بن المنصور

ذو الحجة سنة 158ه-22 محرم 168ه/ تشرين الأول 775-4 آب 785 (1) هو محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور، وأمه أروى بنت منصور الحميرية

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٢٥