يقول المسعودي في المروج: «إن المنصور هو أول خليفة استعمل مواليه وغلمانه وصرفهم في مهماته، وقدمهم على العرب، فامتثلت الخلفاء ذلك من بعده.» وقد كان من نتائج هذا التقلص لنفوذ العرب وبروز السلطان الأعجمي أن دخلت النظم الأعجمية من فارسية وغير فارسية في الدولة الجديدة، ومن أبرز هذه النظم تلك النزعة الكسروية الساسانية الاستبدادية، وما إليها من المراسيم والتقاليد التي كانت قد بدأت في الظهور أيام بني أمية، فإذا هي في ظل الدولة الجديدة تترعرع بقوة وعزة، وقد بعدت الشقة بين الدولة وبين القبيلة والبادية العربية بعدا شاسعا، أما في العصر الأموي فعلى الرغم من محاولة خلفائه اقتباس النظم والتقاليد الأعجمية، فإن صلة الخلفاء والأمراء بالقبيلة العربية وتقاليدها وآدابها الموروثة كانت ذات أثر ملموس واضح.
ومما يلاحظ أيضا في هذه الدولة الجديدة أنها ألبست دعوتها لباسا دينيا، فادعى أصحاب الدعوة الأولين أنهم إنما قاموا بدعوتهم اتباعا لكتاب الله، وإحقاقا لحق آل بيت رسول الله، وتحكيما لسنة رسول الله التي اضطهدت في العصر الأموي، وإرجاعا لنظم الخلافة كما أرادها الرسول الكريم بدل الملك العضوض الذي أحدثه أملاك أمية، يقول ابن الطقطقي في «الفخري»: «إن هذه الدولة ساست العالم سياسة ممزوجة بالدين والملك، فكان أخيار الناس وصلحاؤهم يطيعونها تدينا، والباقون رهبة أو رغبة.» والحق أن العباسيين إنما سلكوا هذه السبيل لأنهم استعانوا بأبناء عمومتهم العلويين أصحاب الحق الأقرب في الخلافة، واعتمدوا عليهم في تكوين دعوتهم إلى أن تم لهم الأمر، فتنكروا لهم وفتكوا بهم. ومما يلاحظ في هذه الدولة الجديدة أيضا أن نظام الخلافة وولاية العهد ووراثة الحكم أصبحت أمورا وراثية تقليدية، وقد كان الأمر في العصر الأموي قريبا من ذلك، إلا أنه كان يكون للشورى والسن والعرف القبلي بعض الرعاية أو بمقدار أكثر مما صار إليه في أيام بني العباس؛ فقد أصبح نظام ووراثة العهد ميراثيا بكل معنى الكلمة، فلا الشورى لها موضع، ولا العرف والتقاليد العربية في اختيار ولي عهد الخليفة لها رعاية، فكم ولي الخلافة طفل! وكم أسندت أمور المسلمين إلى حدث لم يؤت من شرائط الخلافة ما يؤهله للقيام بأعبائها! وما كان هذا الأمر ليستساغ في العصر الأموي؛ لأن الروح العربية كانت ما تزال قوية، والتقاليد ورعاية السن والمقام كان لها أثرها في اختيار الخليفة وولي العهد. ويجب أن لا يغرب عن البال أن الأمويين كانوا على الرغم من نزعتهم الاستبدادية لا يستطيعون تخطي التقاليد العربية، فقد حافظوا على حرمة القبيلة ومكانة رئيسها، وراعوا فكرة احترام الأنساب حق الرعاية، كما راعوا حرمة المكانة الاجتماعية، أما خلفاء بني العباس فقد أخذت التقاليد والمراسيم الفارسية والأعجمية تحتل مكانتها عندهم، وفي هذا دليل على ما ذهبنا إليه من مشايعة أصحاب الرأي القائل بأن هذه الدولة الجديدة دولة ذات طابع فارسي واضح؛ فقد اعتمد الخلفاء على الفرس والموالي وقربوهم منهم، واستطاع هؤلاء الموالي - متسترين وراء الفكرة القائلة بأن الدين الإسلامي قد ساوى بين معتنقيه كافة، وأنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى - أن ينفذوا إلى قلوب الخلفاء، وأن يسيطروا على مرافق الدولة ومؤسساتها.
وقد اهتم خلف بني العباس منذ فجر تأسيس سلطانهم بترتيب الدولة وتأسيسها وتنظيماتها ترتيبا جديدا يعتمد على الإصلاح والقوة، ويكاد يكون النظام الإداري للدولة الجديدة هو النظام الإداري السابق الذي وجد في أخريات أيام بني أمية، إلا ما أحدثه العهد الجديد من نظم وتراتيب استقاها من التراتيب الإدارية الأعجمية، أو الأنظمة الدولية الكسروية، ومن أبرز تلك التراتيب الأمور الآتية: (1)