تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما دار الأسود، فهي مدينة صغيرة سميت بذلك للأسود الرخامية الفخمة الجميلة التي تزين باحتها وتحمل بركتها، وتزدان جبهة هذه الدار بصور مشاهد الصيد والطرد، وصور عشرة أشخاص من الأمراء متكئين على سرر وأرائك، وقد فرشت أرض الدار بالمربعات الرخامية البيض، وترتيب أسافل حيطانها بالقاشاني الملون بعلو أربعة أقدام، ومن فوقها أفاريز خشبية رائعة الحفر والنقش، ومن فوقها كان السقف ذو المتدليات، ومن تحته العمد الرشيقة والقناطر ذات شكل نعل الفرس، ويحيط بالجدران نقوش وزخارف رائعة لا حد لها، وقطع قاشانية بديعة وأشكال رخامية متقنة، وخطوط هندسية ونجوم ومثمنات، وصور نباتات يحار البصر في إدراك مبتداها، ومن فوق ذلك نقوش خطية جميلة متعددة امتدت على طول الإفريز والتفت حول القناطر والكوى والنوافذ، وقد انتشرت في جنبات القصر كله زخارف ودهانات ونقوش بألوان ساحرة متناسقة بالغة الروعة، والحق أن هذا القصر على الرغم من مرور الأعوام على بنائه ما يزال رائعا جديدا فخما شاهدا على عظمة الفن العربي وروعته وخلوده.

هذا وصف موجز لبعض مظاهر الحضارة الأندلسية من الناحية العمرانية، فأما من الناحية العلمية فقد عني الأندلسيون بالفقه الإسلامي واللغة العربية والفلسفة، وقد نبغ فيهم أو عاش بينهم نفر من الفحول؛ كابن مسرة الفيلسوف، وأبي علي القالي اللغوي، وابن القوطية المؤرخ، وابن دراح الشاعر، وابن شهيد الكاتب، وداود بن علي الأديب، وابن حزم العبقري المؤلف، وأبي القاسم الزهراوي الطبيب، وابن طفيل وابن رشد الحكيمين، ومحيي الدين بن عربي الصوفي، وابن الخطيب وابن خلدون المؤرخين.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٩٨