تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما ضعف ملوك الطوائف، واستنجد أعظمهم المعتمد بن عباد صاحب طليطلة بيوسف بن تاشفين لإنقاذه من براثن ملوك النصرانية استجاب يوسف للدعوة شرط أن يمنح الجزيرة الخضراء لتكون مركزا لجنده، ثم زحفت جيوش يوسف، فاحتلت الجزيرة الخضراء، ثم سارت نحو إشبيلية فأقبل عليها المعتمد بن عباد مرحبا خاضعا، وكان الملك ألفونس يحاصر مدينة سرقسطة، فلما علم بمقدم جيوش المرابطين البربر زحف للقائه في جيش لجب، والتقى الجمعان عند الزلاقة، وانهزم ألفونس بعد أن أخلى إقليم بلنسية، وتراجع إلى إقليم مرسية ولورقة، ثم رجع ابن تاشفين إلى إفريقية، حين علم بوفاة ابنه أمير سبتة، فترك الأندلس وقفل راجعا إلى بلاده، ولم تمض فترة حتى اجتمعت جيوش صاحب قشتالة، وروذريق القنبيطور.

2

وهاجمت ديار المسلمين من جديد، فاستنجد أمراؤهم بيوسف بن تاشفين، وزحف في ربيع عام 1090م على الأندلس ثانية، وانضم إليه أمراء مالقة وغرناطة وألمرية وإشبيلية، وسار بهم فحاصر «حصن الليط»، وقضى على حاميته النصرانية، وقوي سلطانه في البلاد، فاجتمع إليه الفقهاء والوجوه، وطلبوا إليه أن يقضي على ملوك الطوائف ويوحد البلاد تحت سلطانه، فأعجبته الفكرة، واستصدر من قاضيي غرناطة ومالقة فتويين تقولان بأن ملوك الطوائف قد ضعفوا عن حكم البلاد، وأهملوا شعائر الدين، وأن الدين يقضي بإقصائهم عن دست الحكم؛ فاستولى ابن تاشفين على الأندلس، وضمه إلى المغرب موجدا أعظم إمبراطورية إسلامية في المغرب، وسار بالبلاد أحسن سيرة إلى أن هلك سنة 1106 فخلفه ابنه علي، وكان متحمسا في دينه، متعصبا تعصبا بعيدا عن المنطق وروح الدين الحقيقية، فسيطرت الجهالة على المسلمين، وعمت الفوضى والتخاذل، وخلف عليا بعد سنة 1143م أمراء ضعاف، وانتهز أمراء النصارى هذا الضعف، فأخذوا يغيرون على البلاد بعد أن انصرف المرابطون في الملذات، وتم للملك ألفونس ملك أرغونة أن يفتح سرقسطة، ثم هاجم غرناطة وفتك بأهلها شر فتكة، وأخذ نجم المرابطين يأفل، وسلطانهم يخمل حتى قضى على آخرهم إسحاق في سنة 1147م. (2) دولة الموحدين

ما إن زالت دولة المرابطين حتى ظهرت دولة الموحدين، وهم جماعة من البربر ينتهون إلى قبيلة معمودة البربرية القوية، وكان مبدأ دعوتهم أن أحد الفقهاء المثقفين الذين تلقوا العلم في المدرسة النظامية ببغداد، واسمه محمد بن تومرت المهدي، رأى الجهالة التي حلت بقومه، وفساد الوضع الاجتماعي والديني، فآلى على نفسه أن يقوم بحركة تهدف إلى إحياء الدين، والقضاء على البدع والضلالات، وتعمل على بث التوحيد، وعاضده في حركته الإصلاحية الدينية زعيم سياسي اسمه عبد المؤمن بن علي من قبيلة زنانة البربرية، فاتفق الرجلان على القيام بهذه الحركة الدينية الدنيوية، وتعهد عبد المؤمن بأن يتولى الحركة الدنيوية، ويقود جماعات الموحدين لنشر دعوتهم، فامتدت الحركة حتى استولت على بلاد مراكش وفاس، وجبال الأطلس إلى أن مات ابن تومرت في سنة 1130م، فقام عبد المؤمن بأعباء الدعوة، وعظم سلطانه. وكانت دولة المرابطين في دور النزاع، فاستولى على أملاكها في شمالي إفريقية، ثم بعث قائده الأمير براز إلى الأندلس، فقضى على بقايا المرابطين، ووسع رقعة الإمبراطورية الموحدية.

ولما مات مؤسس دولة الموحدين عبد المؤمن في سنة 1163م خلفه ولده أبو يعقوب يوسف (1163-1184م)، ثم حفيده يعقوب المنصور (1184-1199م)، فسارا على غرار عبد المؤمن، وتوسعت رقعة الدولة، فبلغت من المحيط الأطلسي إلى حدود مصر مع سائر بلاد الأندلس.

ولما مات المنصور سنة 1199م خلفه ابنه محمد الناصر (1199-1214م)، وتجمعت ملوك الفرنجة في عهده لقتاله والقضاء على الإمبراطورية الموحدية، فلقيهم بجيش عدده تسعة وخمسون ألف مقاتل، فمزقوا شمله وهرب الناصر إلى مراكش. وتعاقب على الملك بعده تسعة نفر من أسرته، لم يكن في سيرتهم ما يستحق الذكر إلى أن سقطت دولتهم بيد بني مرين البربرية في سنة 1269م.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٩٥